يكشف كتاب «مدريد الإسلامية.. الأصول الخفية لعاصمة مسيحية»، لمؤلفه دانيال خيل بن أمية، عن حقائق تاريخية تعيد رسم الهوية التأسيسية للعاصمة الإسبانية، مؤكداً أن جذورها تعود إلى القرن التاسع الميلادي على يد العرب، لتكون بذلك العاصمة الأوروبية الوحيدة التي أسسها المسلمون في تلك الحقبة.

جذور الاسم والنشأة

يوضح الكتاب، الذي نقله إلى العربية الدكتور خالد سالم، أن اسم «مدريد» مشتق من المصطلح العربي «مجريط»، والذي يتألف من كلمتي «مجرى» واللاحقة اللاتينية «إيت» التي ترمز للكثرة. ويشير هذا التسمية إلى وفرة المجاري المائية الجوفية التي قامت عليها المدينة، والتي كانت تغذي بيوتها وحدائقها وحماماتها.

تأسست المدينة في منتصف القرن التاسع بقرار من الأمير محمد الأول، لتلعب دوراً استراتيجياً كثغر دفاعي بين طليطلة وقرطبة. ويرى المؤلف أن اختيار مصطلح «مدريد الإسلامية» بدلاً من «مدريد العربية» يعكس الحضور البربري القوي في تشكيل تاريخ الأندلس منذ بداياته وحتى سقوط غرناطة عام 1492.

تراكم الهوية والوجود الأندلسي

يتجاوز العمل السرد التاريخي التقليدي، ليكشف عن طبقات حضارية خفية في ذاكرة المدينة. ويشير بن أمية إلى أن مدريد خضعت لهيمنة «بني سالم» من أمازيغ المغرب، حتى عُرفت في بعض المصادر بـ «مدينة سالم». وعلى الرغم من سقوط المدينة في قبضة مملكة قشتالة عام 1085، إلا أن الوجود الإسلامي استمر فيها لقرون، حيث ظل المسلمون يشكلون جزءاً من النسيج الاجتماعي حتى عام 1502 وما بعده.

ويستند الكتاب إلى توثيقات الجغرافي الشريف الإدريسي، الذي وصف المدينة قبل وبعد خضوعها للحكم المسيحي، مؤكداً أن الحضور الأندلسي لم يتوقف بسقوطها، بل استمر عبر الأقلية المعروفة بـ «المدجنين» (المسلمين تحت الحكم المسيحي)، وصولاً إلى تحولهم القسري إلى المسيحية وتسميتهم بـ «الموريسكيين» قبل طردهم لاحقاً.

محو الإرث وعمليات الطمس

يؤكد المؤلف أن تاريخ مدريد الإسلامي واجه محاولات تدمير مادي ورمزي متواصلة، خاصة بعد عام 1561، عندما أصبحت مدريد عاصمة لإسبانيا، حيث ساد توجه يهدف إلى طمس طابعها الإسلامي لتعزيز فكرة «القوطية المسيحية». ويستشهد الكتاب بأن اسم كاتدرائية «نويسترا سينيورا دي لا ألمودينا» هو في الأصل تصحيف للاسم العربي «المُدَيْنَة»، وهي القلعة التي كانت تمثل قلب الحكم الإسلامي في مجريط.

ويقدم الكتاب أدلة مادية على هذا الإرث من خلال التقنيات الزراعية، والكلمات الإسبانية ذات الأصول العربية، والطراز المعماري الذي دمج بين الفنون الإسلامية والمسيحية، والذي ظل سائداً في المدينة حتى القرن السادس عشر.

عن المؤلف

دانيال خيل بن أمية هو أستاذ تاريخ الأندلس في جامعة كومبلوتسي بمدريد. ولد في المغرب لأب وأم إسبانيين، ودرس فقه اللغة العربية والدراسات الإسلامية في «البيت العربي» بمدريد، وتتركز أبحاثه حول تاريخ وهوية المجتمعات الإسلامية في أوروبا وإسبانيا.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version