يواجه الاقتصاد الألماني تحديات هيكلية متزايدة، حيث سجلت البلاد خلال العام الماضي أعلى معدل لإغلاق الشركات منذ نحو عقدين، في مؤشر يعكس اتساع رقعة الأزمات الاقتصادية وتغيرات ديموغرافية تؤثر على استمرارية الأعمال.
ووفقاً للتحليل السنوي المشترك الذي أجرته شركة “كريديت ريفورم” ومركز “لايبنيتس” للبحوث الاقتصادية الأوروبية (ZEW)، فقد بلغ إجمالي الشركات التي توقفت عن العمل 187 ألفاً و744 شركة، بزيادة قدرها 10% مقارنة بعام 2024. وتعد هذه الأرقام هي الأعلى منذ عام 2007، الذي شهد إغلاق نحو 208 آلاف شركة، كما يمثل العام الماضي ثاني زيادة سنوية متتالية في حالات الإغلاق.
اتساع رقعة الأزمة وقطاعات الأكثر تضرراً
وأكد باتريك-لودفيش هانتسش، رئيس قسم البحوث الاقتصادية في “كريديت ريفورم”، أن ديناميكية الأزمة لم تعد محصورة في قطاعات معينة، بل امتدت لتشمل كافة مفاصل الاقتصاد الألماني. وأشار هانتسش إلى ظاهرة لافتة تمثلت في خروج شركات كانت تتمتع بأوضاع مالية مستقرة من السوق، وهو ما يغاير اتجاهات السنوات السابقة.
وقد طال هذا التراجع معظم القطاعات الاقتصادية، وكان قطاع الضيافة الأكثر تضرراً، إذ أغلقت نحو 15 ألف شركة تعمل في مجالي المطاعم والإقامة أبوابها، بنسبة ارتفاع بلغت 15% مقارنة بعام 2024. كما سجل قطاع الصناعة إغلاق 11 ألف شركة، بزيادة قدرها 10% عن العام السابق.
أزمات الرعاية الصحية والتقاعد
وأظهر التحليل استمرار التراجع في قطاع الرعاية الصحية، الذي يعاني من اتجاه سلبي مستمر منذ حوالي 10 سنوات؛ حيث بلغ عدد حالات الإغلاق في هذا القطاع نحو 11 ألف حالة، أي ضعف ما تم تسجيله في عام 2008. وشمل ذلك إغلاق نحو 5 آلاف و500 عيادة طبية، بزيادة قدرها 23% مقارنة بعام 2024، حيث يعزو الخبراء ذلك بشكل أساسي إلى تقاعد الأطباء مع تعذر إيجاد خلفاء لهم لإدارة هذه العيادات.
أسباب الإغلاق: غياب الإعسار
من جانبها، أوضحت الباحثة في مركز “لايبنيتس” للبحوث الاقتصادية الأوروبية (ZEW)، ساندرا جوتشالك، أن إجراءات الإعسار كانت سبباً في 13% فقط من إجمالي حالات الإغلاق، مؤكدة أن النسبة الأكبر من الشركات تنهي نشاطها بعيداً عن أزمات الإفلاس الصريحة.
وأرجعت جوتشالك جزءاً كبيراً من هذه الإغلاقات إلى عوامل ديموغرافية، قائلة: “تغلق شركات متزايدة أبوابها لأن أصحابها يتقاعدون ولا يجدون من يخلفهم. ويحدث نحو ثلث حالات الإغلاق الطوعي حالياً لأسباب مرتبطة بالتقدم في السن، وهي نسبة أعلى بكثير مما كانت عليه قبل 10 أو 15 عاماً”.
