لم تعد موجات الحر التي تجتاح القارة الأوروبية مجرد ظاهرة مناخية عابرة، بل تحولت إلى معضلة اقتصادية هيكلية تضغط على شرايين القارة الحيوية، مهددةً بتبديد مكاسب النمو الاقتصادي، وموقعةً خسائر فادحة في قطاعات الطاقة، والزراعة، والنقل.
سجلت القارة هذا الصيف خمس موجات حر متتالية، تجاوزت فيها درجات الحرارة حاجز 45 درجة مئوية، مما أدى إلى وفاة أكثر من 25 ألف شخص، وتفاقم موجات الجفاف. وتشير تحليلات بنك “ترايودوس” إلى أن هذه التداعيات قد تمحو معظم النمو المتوقع للناتج المحلي الإجمالي للاتحاد الأوروبي البالغ 1.1 بالمئة خلال عام 2026.
اضطراب الملاحة النهرية
يُعد نهر الراين شرياناً تجارياً لا غنى عنه، لكن انخفاض منسوبه إلى 7 سنتيمترات فقط في نقطة “كاوب” الألمانية خلال أغسطس الماضي، أجبر شركات كبرى مثل “باسف” و”شل” و”دايملر” على خفض حمولات البارجات أو تعليق الشحن. وتُقدر تقديرات “كومرتسبانك” أن استمرار هذه الأزمة حتى منتصف سبتمبر قد يخفض الناتج المحلي لألمانيا بنحو 0.35 نقطة مئوية في الربع الثالث من العام.
تضرر المحاصيل الزراعية
تسببت الظروف المناخية القاسية في تهديد الأمن الغذائي الأوروبي، حيث تشير بيانات “وحدة معلومات الطاقة والمناخ” إلى أن موجة حر يونيو كلفت مزارعي الحبوب خسائر بنحو ملياري يورو. وتواجه فرنسا، أكبر منتج زراعي في الاتحاد، أسوأ محصول ذرة منذ عام 1980، مما يعزز الضغوط التضخمية في أسواق الغذاء.
أزمة الطاقة: تراجع الكهرومائية وتعطل النووي
أدى شح الأمطار إلى انخفاض حاد في إنتاج الطاقة الكهرومائية، وهو ما دفع أسعار الكهرباء للارتفاع. وفي السياق ذاته، واجهت المفاعلات النووية في فرنسا ورومانيا والمجر تحديات تقنية؛ إذ حالت درجات الحرارة المرتفعة ومستويات المياه المنخفضة دون تبريد المفاعلات بشكل آمن. كما تسببت أسراب قناديل البحر، التي تكاثرت بسبب دفء المياه، في إغلاق مفاعلات بمحطة “غرافلين” الفرنسية، مما أدى لتعطيل 5 بالمئة من إنتاج الطاقة النووية في البلاد.
حرائق الغابات والتكلفة الاقتصادية
التهمت حرائق الغابات أكثر من 5500 كيلومتر مربع في الاتحاد الأوروبي، وتتوقع شركة “مورنينغ ستار دي بي آر إس” أن تصل خسائر فرنسا وحدها من هذه الحرائق إلى 15 مليار يورو. وبحسب الخبيرة الاقتصادية محاسن مرسل، فإن الخطر يكمن في تداخل هذه الأزمات؛ حيث يؤدي نقص الطاقة إلى اللجوء لمصادر بديلة مكلفة كالغاز، مما يعيق تنافسية القطاع الصناعي الأوروبي ويضيف أعباءً تضخمية جديدة.
الحاجة لاستراتيجية استثمارية
يؤكد المحلل الاقتصادي محمد سعد أن هذه الموجات أصبحت “عائقاً هيكلياً” يقلص إنتاجية العمالة ويؤخر العمليات الصناعية. ويرى سعد أن الحل يكمن في تحول جذري نحو الاستثمار في بنية تحتية مرنة وشبكات طاقة أكثر تكيفاً، مشدداً على أن السؤال الحقيقي الذي يواجه الحكومات اليوم هو حجم التكاليف الباهظة التي ستتحملها القارة مستقبلاً حال التقاعس عن التكيف مع الواقع المناخي الجديد، لا سيما وأن 75 بالمئة من الخسائر المناخية في أوروبا لا تزال غير مؤمنة.
