تجاوز إجمالي الدين العام للولايات المتحدة حاجز الـ 40 تريليون دولار، في مؤشر وصفه خبراء بـ “ضوء التحذير الضخم” الذي يعكس وتيرة اقتراض تاريخية تتسم بالسرعة المتزايدة. ووفقاً لبيانات وزارة الخزانة، فقد ارتفع الدين بمقدار 3 تريليونات دولار خلال العام الماضي وحده، وهي أسرع وتيرة نمو على الإطلاق خارج نطاق فترة جائحة كورونا.
مخاطر العجز وتكلفة خدمة الدين
أوضح مارك غولدوين، مدير السياسات الأول في لجنة الميزانية الفيدرالية المسؤولة، أن بلوغ الدين هذا المستوى ليس معناه انهياراً وشيكاً، ولكنه علامة على أن الأمور خرجت عن نطاق السيطرة، مشيراً إلى أن الإشكالية تكمن في حجم الدين والسرعة التي تراكم بها، حيث لم يكن يتجاوز 6 تريليونات دولار مطلع القرن الحالي.
من جانبه، أشار مدير مركز كوروم، طارق الرفاعي، إلى أن هذا الرقم يعكس عجزاً مالياً هيكلياً، ويضع ضغوطاً متصاعدة على المالية العامة. وأكد أن فوائد الدين أضحت من أكبر بنود الإنفاق الفيدرالي، مما يقلص قدرة الحكومة على تمويل برامجها دون اللجوء لزيادة الضرائب أو الاستمرار في الاقتراض. كما حذر من أن ارتفاع عوائد سندات الخزانة يرفع تكلفة القروض العقارية وتمويل الشركات، مما يؤثر سلباً على الاستهلاك والاستثمار.
تأثيرات سوق السندات والاقتصاد
وفي سياق متصل، لفت جو يرق، رئيس قسم الأسواق العالمية في شركة “سيدرا ماركتس”، إلى أن العجز المالي سجل نحو 1.8 تريليون دولار مع توقعات بمزيد من الارتفاع. وأوضح أن عوائد سندات الخزانة طويلة الأجل بلغت مستويات قياسية هي الأعلى منذ عام 2007، مما يعكس توتراً في أسواق الدين. وأضاف أن التوسع في الإنفاق الحكومي على مدى سنوات، بالإضافة إلى الاستحقاقات الانتخابية والرسوم الجمركية، يفاقم الضغوط التضخمية ويجعل السيطرة على العجز مهمة صعبة أمام السلطات النقدية.
تحركات وزارة الخزانة
في محاولة للسيطرة على الأوضاع، أعلنت وزارة الخزانة عن مضاعفة عمليات إعادة شراء السندات الحكومية طويلة الأجل من ملياري دولار إلى 4 مليارات دولار، مع إمكانية زيادة هذه الوتيرة. وأكد وزير الخزانة، سكوت بيسنت، أن الوزارة تسعى لـ “صناعة سوق” في السندات طويلة الأجل، مشيراً إلى أن التدخل يهدف إلى إرسال إشارات بأن عوائد السوق الحالية لا تعكس العوامل الأساسية للاقتصاد.
نظرة تحليلية على التداعيات
بدوره، يرى ميشال صليبي، كبير محللي الأسواق المالية في شركة “إف إكس برو”، أن تدخل الخزانة ساهم في تهدئة العوائد مؤقتاً، لكنه حذر من أن هذه الإجراءات ليست حلاً جذرياً. وأشار إلى أن استمرار عجز الموازنة وتفوق الإنفاق على الإيرادات يعني أن ضغوط سوق السندات قائمة، وأن أي اعتماد متكرر على التدخلات النقدية دون معالجة هيكلية يحمل مخاطر إضافية على الاقتصاد.
وعلى الصعيد السياسي، أشار طارق الرفاعي إلى أن القلق الاقتصادي وتكاليف المعيشة المرتفعة باتت تشكل ضغطاً على شعبية الرئيس دونالد ترامب، حيث تراجع تأييده في استطلاع “رويترز/إبسوس” إلى 33 بالمئة، وهو أدنى مستوى خلال ولايته الحالية.
