يكشف كتاب «تاريخ العالم في سبعة أشياء رخيصة: دليل الرأسمالية والطبيعة ومستقبل الكوكب»، تأليف راج باتيل وجاسون مور وترجمة وفاء يوسف، عن الجذور التاريخية لكيفية تشكّل العالم الحديث من خلال سبعة عناصر اعتبرتها الرأسمالية “رخيصة”، وهي: الطبيعة، والمال، والعمل، والرعاية، والغذاء، والطاقة، وحياة البشر.
صناعة العالم عبر “الأشياء الرخيصة”
لا يكتفي الكتاب بسرد تاريخي تقليدي، بل يغوص في آليات العمليات التي أدت إلى الواقع الراهن، موضحاً كيف توسعت الرأسمالية عبر استغلال الإنسان والطبيعة والأوبئة والحروب. ويوضح المؤلفان أن هذا النظام قام على تحويل هذه العناصر السبعة إلى موارد منخفضة التكلفة، مما أدى إلى اتساع نفوذ أوروبا الاستعمارية وتشكيل خرائط العالم وفق مصالحها.
من الأزمات المناخية إلى الرأسمالية الاستعمارية
يربط الكتاب بين الازدهار النسبي الذي شهدته أوروبا خلال “الفترة الدافئة” في العصور الوسطى (950-1250م) وبين نمو شهية التوسع، حيث أدى فائض الإنتاج الزراعي والنمو السكاني إلى انطلاق حملات استعمارية، بدأت بالحملات الصليبية للسيطرة على ثروات شرق المتوسط، وتطورت عبر “حروب الاسترداد” في شبه الجزيرة الأيبيرية التي أرست قواعد الإتاوة والاستغلال.
ويشير المؤلفان إلى أن الأزمات الكبرى، مثل “الموت الأسود” الذي أباد ما بين ثلث إلى نصف سكان أوروبا، لم تكن مجرد كارثة ديموغرافية، بل كانت لحظة فارقة أدت إلى تراجع النظام الإقطاعي. ومع انهيار المنظومة القديمة، سعت الطبقات الحاكمة إلى مواجهة الصراع الطبقي عبر تعزيز الرأسمالية الاستعمارية التي اعتمدت على الديون الناتجة عن الحروب والتعويض عنها بأرباح استعمارية جديدة.
الطبيعة كشريك في الإنتاج الرأسمالي
يؤكد الكتاب أن الرأسمالية تتحكم في علاقات “صناعة الحياة” بشكل أوسع مما تظهره موازين الربح والخسارة؛ فالطبيعة تشارك بفعالية في كل ما ينتجه الإنسان، من الغذاء والملابس إلى البنية التحتية والتكنولوجيا. ويدعو المؤلفان إلى تجاوز الفصل التقليدي بين البشر والطبيعة، معتبرين أن استغلال الطبيعة بشكل متوحش هو المرتكز الذي مهد الطريق لاستغلال البشر أيضاً.
تحرر من المركزية الأوروبية
أثار الكتاب جدلاً واسعاً في الأوساط الأكاديمية والثقافية، لقراءته النقدية التي تقطع مع الطروحات المركزية الأوروبية. ويخلص العمل إلى أن الرأسمالية نجحت في جعل الغذاء والمال والحياة “رخيصة” من خلال ثقافة العبودية والنهب الاستعماري، مما يجعل الكتاب مرجعاً يحلل كيف استُخدمت الاكتشافات والأوبئة والحروب لتحويل العالم إلى ساحة مفتوحة للاستغلال.
