اختارت إدارة معرض أبوظبي الدولي للكتاب رواية «دون كيخوتة» للكاتب الإسباني ميغيل دي سرفانتس لتكون «كتاب العالم» في دورته الخامسة والثلاثين، في خطوة تحتفي بخلود هذا العمل الأدبي وقدرته الفائقة على تخطي الحواجز الثقافية واللغوية عبر أربعة قرون من الزمن.

ويأتي هذا الاختيار ليعكس تطور المعرض كمنصة ثقافية تجمع بين الأدب والمعرفة والحوار الحضاري، حيث تُعد «دون كيخوتة» نموذجاً مثالياً للكتاب الذي يحافظ على جوهره الإنساني رغم انتقاله بين بيئات ثقافية متنوعة، مكتسباً دلالات جديدة مع كل قراءة ومع كل عصر.

قراءة في فلسفة الخيال والواقع

لم يقدم سرفانتس في روايته، التي أبدعها بين عامي 1605 و1615، مجرد قصة ساخرة عن فارس مهووس بكتب الفروسية، بل وضع لبنة أساسية في صرح الرواية الحديثة من خلال اختبار الحدود الفاصلة بين الواقع والخيال. فبطل الرواية لا يرى العالم كما يراه الآخرون، بل يضفي على مغامراته أبعاداً أخلاقية تجسد التوتر الإنساني المستمر بين ما هو كائن، وبين الطموح إلى تغيير العالم وتحسينه.

وما يمنح الرواية بقاءها في الذاكرة الإنسانية هو قدرتها على الجمع بين السخرية والتأمل الفلسفي، مما جعل من شخصية «دون كيخوتة» رمزاً للمثالية والجنون في آن واحد، ومثيرة لأسئلة معاصرة حول كيفية إدراكنا للواقع في ظل هيمنة التكنولوجيا وتعدد الروايات المتنافسة في عصرنا الحالي.

جسر للتبادل الثقافي

يمثل اختيار الرواية تعزيزاً لرؤية مركز أبوظبي للغة العربية في مد جسور التواصل بين الثقافات، وتفعيل مشروعات الترجمة مثل مشروع «كلمة»، التي تتيح للقارئ العربي الانفتاح على المعارف العالمية. وقد تجاوزت علاقة الثقافة العربية بالرواية حدود الترجمة، لتشمل استلهام شخصيتها في الشعر والنقد والأدب، حيث استُخدمت كرمز للمثالي الذي يصطدم بواقع مغاير لأحلامه.

إن تكريم «دون كيخوتة» في الدورة الخامسة والثلاثين للمعرض يؤكد أن الكتاب، مهما تقادمت سنواته، يظل مساحة إنسانية مشتركة قادرة على تجاوز اختلاف اللغات والذاكرات والتجارب، ليؤكد في جوهره على محاولات الإنسان المستمرة لصبغ العالم بملامح ما يؤمن به من قيم ومبادئ.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version