أعلنت سوريا طي صفحة انقسام طال أمدها عبر قرار تاريخي يقضي بحل “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) ودمجها في مؤسسات الدولة الرسمية. وتأتي هذه الخطوة تتويجاً لمسار طويل من المفاوضات المتعثرة التي سعت لإنهاء ملف الوجود العسكري المستقل شمال شرقي البلاد، وسط تساؤلات حول طبيعة المرحلة القادمة وضمانات الحقوق الثقافية والسياسية للمكون الكردي.
نهاية مرحلة وبداية مسار توحيد الدولة
وصف محللون سياسيون قرار حل “قسد” بأنه علامة فارقة في استعادة سيادة الدولة السورية. وأوضح المحلل السياسي عبد الكريم العمر أن هذا التطور جاء نتيجة لجهود دؤوبة انطلقت من لقاءات مطار الضمير العسكري بين الرئيس أحمد الشرع وقائد “قسد” مظلوم عبدي، تلاها صدور المرسوم رقم 13 الذي أرسى حقوقاً ثقافية للمكون الكردي، مما مهد الطريق لإنهاء الإدارة الذاتية تحت شعار “سوريا أولاً”.
وأشار العمر إلى أن الدولة السورية كانت حريصة منذ سقوط النظام السابق على حصر السلاح بيد المؤسسة العسكرية والأمنية الوطنية، وقطع الطريق أمام أي مشاريع انفصالية أو كونفدرالية. ولفت إلى أن هذا الاتفاق حظي بدعم دولي وإقليمي، برعاية المبعوث الأمريكي توم براك ومساهمة من رئيس إقليم كردستان العراق مسعود بارزاني، مؤكداً أن عملية الاندماج باتت نهائية وغير قابلة للعودة، ومحذراً في الوقت ذاته من محاولات بعض الفصائل الأخرى الرهان على مشاريع خارجية.
آفاق الملف الكردي وتحديات الاندماج
في المقابل، قدم الكاتب والباحث السياسي رستم محمود قراءة تركز على استحقاقات ما بعد الحل. وأكد محمود أن القوى الكردية لم تكن يوماً ذات أجندة انفصالية، مشيراً إلى أن تشكيل “قسد” كان اضطرارياً لحماية المنطقة من التنظيمات المتطرفة بعد فراغ مؤسسات الدولة، وهو مسار دفع فيه المكون الكردي ثمناً باهظاً تمثل في نحو 25 ألف قتيل وعشرات الآلاف من الجرحى.
وشدد محمود على أن الكرة الآن في ملعب السلطة المركزية، داعياً إلى تجاوز النظرة الضيقة والالتزام بتثبيت الحقوق الثقافية والتعليمية دستورياً. وانتقد غياب التمثيل الكردي العادل في السلك الدبلوماسي والمناصب الوزارية، كما دعا إلى صياغة عقيدة عسكرية مهنية بعيدة عن التجاذبات السياسية، معتبراً أن الخلافات حول طبيعة مشاركة النساء في المؤسسات الأمنية والجيش تتطلب حواراً إضافياً لضمان الانتقال من مجرد إعلان سياسي إلى اندماج مستدام.
بين المكتسبات السياسية والواقع الميداني
من جانبه، نفى عبد الكريم العمر وجود عداء بين الدولة والمكون الكردي، معتبراً أن سياسات التهميش كانت من إرث الماضي. واستشهد بالانفتاح الذي شهدته دمشق مؤخراً، بما في ذلك احتفالات “نوروز” عام 2025، مؤكداً أن الدولة الحالية تعترف بتضحيات كافة مكونات الشعب السوري، وأن إدماج المقاتلين في الجيش يأتي ضمن رؤية وطنية شاملة تستوعب الجميع دون تمييز.
