في ظل موجة الجفاف “التاريخية” التي تشهدها فرنسا، قرر المعهد الوطني للمنشأ والجودة (INAO) اتخاذ خطوة استثنائية عبر تخفيف القواعد الصارمة المتعلقة بإنتاج الأجبان والمنتجات الغذائية ذات الجودة المحمية، وذلك لضمان استمرارية الإنتاج في المناطق المتضررة من تداعيات الحرارة الشديدة.

وتعد شهادات المنشأ في فرنسا أداة قانونية تمنح المنتجين ميزة بيع سلعهم بأسعار مرتفعة، مقابل الالتزام بمعايير صارمة ترتبط بـ “تيروار” (terroir)، وهو مفهوم فرنسي أصيل يربط بين جودة الغذاء والمكان الجغرافي والتقاليد المتبعة في إنتاجه. إلا أن الظروف المناخية القاسية دفعت السلطات إلى السماح بمرونة مؤقتة في هذه المعايير.

تعديلات لدعم المربين والمنتجين

تستفيد من هذه القرارات مجموعة واسعة من المنتجات، من بينها أجبان “أبوندانس” في جبال الألب، حيث سُمح للمنتجين بخفض نسبة العشب المرعى في غذاء الماشية من 50% إلى 15%، مع السماح لهم باستيراد العلف من خارج النطاق الجغرافي المحدد واستخدام بعض المكملات الغذائية. وبالمثل، سيتمكن منتجو جبن “كونتيه” في جبال جورا من استبدال الذرة الخضراء المحلية ببدائل مستوردة من خارج المنطقة.

كما شملت هذه الإعفاءات المؤقتة، التي تستند إلى القوانين الفرنسية والأوروبية المتعلقة بحالات الطقس الاستثنائية، منتجات أخرى مثل بعض أنواع “الكالفادوس” وعصير التفاح من نورماندي، ونبيذ “كريمون دالزاس”، ولحوم الضأن من منطقة بواتو شارنت، إضافة إلى خوخ “رين كلود”. يذكر أن تدابير مشابهة قد طُبقت بالفعل عقب موجة الجفاف التي ضربت البلاد في صيف عام 2022.

مستقبل مفهوم “التيروار”

تثير هذه الإجراءات تساؤلات حول مدى تأثيرها المحتمل على جودة المنتجات أو مذاقها المعهود، فضلاً عن تأثيرها على كميات الإنتاج وتسعيرها. وفي المدى الأبعد، يطرح هذا التوجه تحديات جوهرية حول مدى قدرة الأنظمة التقليدية لشهادات المنشأ على الصمود في ظل التغيرات المناخية المتسارعة.

فإذا أدى تغير المناخ إلى استحالة إنتاج بعض الأغذية في مواطنها الأصلية وفق المعايير التقليدية، فإن مفهوم “التيروار” بحد ذاته سيواجه اختباراً حقيقياً يهدد جدوى هذه التصنيفات التي طالما اعتُبرت ركيزة للهوية الغذائية الفرنسية.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version