تواجه تجارة الأزياء عبر الإنترنت تحدياً اقتصادياً وبيئياً متزايداً بسبب معضلة “المقاس الخاطئ”، التي تضطر المتسوقين لإرجاع ملايين القطع سنوياً، وهو ما دفع القطاع للرهان على تقنيات الذكاء الاصطناعي و”غرف القياس الافتراضية” لتقليل هذه الخسائر الفادحة.
نزيف مالي وبيئي
تشير تقارير “بلومبرغ” إلى أن عادة إرجاع الملابس المشتراة رقمياً تكبد الصناعة مليارات الدولارات سنوياً، حيث تتراوح نسب الإرجاع في قطاع الأزياء ما بين 30% إلى 40%، مقارنة بـ 8% إلى 10% فقط في المتاجر التقليدية. وتوضح سارة ملحم، مستشارة سلوك المستهلك، أن معالجة القطعة المُعادة تكلف التاجر نحو 66% من قيمتها الأصلية، مما يدفع الشركات أحياناً إلى التخلص من المرتجعات في المكبات أو المحارق لصعوبة إعادة عرضها بربحية، وهو ما يفاقم الأزمة البيئية والانبعاثات الكربونية.
غرف القياس الافتراضية: حل تقني قيد التطوير
تعمل “غرف القياس الافتراضية” كأداة رقمية تعتمد على الذكاء الاصطناعي والواقع المعزز لمحاكاة أبعاد جسم المستخدم وإنشاء نموذج ثلاثي الأبعاد (Avatar) يعرض كيفية انسياب الملابس على الجسم. ولا يقتصر دورها على الجانب البصري، بل تمتد لتقديم توصيات دقيقة حول المقاسات استناداً إلى خصائص القماش والتصميم.
تحديات الواقعية والخصوصية
على الرغم من التطور التقني، لا تزال هذه الحلول تعاني من فجوات في محاكاة مرونة الأقمشة وتفاعلها مع الجسم. ويوضح غويانغ شيونغ، أستاذ التسويق في جامعة سيراكيوز، أن التوقعات حول واقعية هذه التجربة لا تزال تتجاوز الواقع الفعلي. كما تبرز تحديات سيكولوجية، حيث أبدت فئات معينة من المتسوقين، خاصة من يعانون من السمنة، تردداً في استخدام هذه التقنيات بسبب مخاوف تتعلق بالصورة الذاتية والخصوصية، بالإضافة إلى الشعور بعدم الارتياح عند رؤية نماذج رقمية تحاكي أجسادهم بدقة.
المستقبل: الذكاء الاصطناعي التوليدي
يرى محمد شمس الدين، صاحب متجر إلكتروني، أن الذكاء الاصطناعي التوليدي يمثل مفتاح الحل لسد الفجوات التقنية الحالية، حيث يمتلك القدرة على معالجة البيانات المعقدة للأقمشة وأبعاد الأجسام بدقة متناهية. ومع ذلك، يؤكد شمس الدين أن النجاح في هذا المجال مرهون بتوفير بيانات عالية الجودة، وضع ضوابط صارمة لحماية خصوصية المستخدمين، ومدى استعداد المستهلك لمشاركة بياناته وقياساته الشخصية للوصول إلى محاكاة رقمية تحاكي التجربة الواقعية.
