في خطوة استباقية وغير مسبوقة لمواجهة تفشي فيروس إيبولا في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية، بدأت السلطات الصحية بالتعاون مع منظمة الصحة العالمية في استخدام بيانات الهواتف المحمولة مجهولة الهوية لتتبع تحركات السكان، وذلك بهدف التنبؤ ببؤر انتشار الفيروس وتوجيه فرق الاستجابة والطوارئ بشكل أكثر كفاءة.
وتأتي هذه الجهود في ظل التحديات الكبيرة التي تواجه احتواء هذا التفشي، الذي وصفته منظمة الصحة العالمية بأنه الأسرع في تاريخ الفيروس المسجل بالبلاد. وتظهر أحدث البيانات الحكومية تسجيل 6250 إصابة و3039 وفاة منذ إعلان بدء التفشي في 15 مايو 2026. وينجم هذا التفشي، وهو السابع عشر في تاريخ الكونغو الديمقراطية، عن سلالة “بونديبوجيو” التي لا تتوفر لها حالياً لقاحات أو علاجات معتمدة.
تحديد مناطق الخطر عبر تحليلات التنقل
وأوضح أوليفييه لو بولين، رئيس وحدة علم الأوبئة والتحليل للاستجابة في منظمة الصحة العالمية، أن حركات السكان تعد عاملاً محورياً في انتشار الأوبئة، وتكتسب أهمية مضاعفة في الأزمة الراهنة. ويسمح تحليل بيانات التنقل للباحثين بتحديد المخاطر في مناطق بعيدة جغرافياً ولكنها مرتبطة بقوة بأنماط السفر، مثل مقاطعة إيتوري التي تشهد نشاطاً كبيراً في التعدين والتجارة.
وتقوم منظمة “فلومايندر” السويدية غير الهادفة للربح بتحليل سجلات مجهولة المصدر توفرها شركة “فوداكوم” مجاناً، حيث تعتمد العملية على رصد اتصال الهواتف بأبراج الشبكة المختلفة أثناء تنقل أصحابها. وأكد لينوس بنجتسون، مؤسس المنظمة، أنهم يستهدفون تقدير حركات تنقل السكان، وهو ما يُعد مؤشراً حيوياً على احتمالات انتقال الأشخاص المصابين بالعدوى.
وقد أثبتت هذه التقنية فاعليتها؛ ففي يونيو الماضي، أظهرت البيانات أن الوجهات العشر التي استقبلت أكبر تدفقات للمسافرين من مناطق التفشي الأصلية في “بونيا” و”مونجبوالو” و”روامبارا”، سجلت جميعها إصابات مؤكدة بالفيروس بحلول نهاية الشهر نفسه.
دعم الاستجابة الميدانية
ساهمت البيانات في توسيع نطاق المراقبة ليشمل مناطق استراتيجية مثل مدينة “كيسانجاني”، التي تربط شرق البلاد بغربها عبر نهر الكونغو. وأكد لو بولين أن البيانات مكنت السلطات من تعزيز عملياتها الوقائية في كيسانجاني قبل ظهور أي حالات إصابة فيها. كما سلطت الدراسات الضوء على خطورة الروابط بين كيسانجاني والعاصمة كينشاسا، وسط تحذيرات من منظمة الصحة العالمية باحتمالية وصول الفيروس إليها بنسبة 70 في المئة بحلول نهاية سبتمبر.
تحديات التغطية والقيود التقنية
رغم الفوائد الملموسة لهذا النهج، يواجه الباحثون تحديات تقنية، أبرزها الاعتماد على بيانات من مشغل اتصالات واحد هو “فوداكوم”، مما يعني عدم رصد تحركات مشتركي الشبكات المنافسة. كما أن اعتماد التحليل على شبكات داخل الكونغو الديمقراطية يحد من دقة النتائج المتعلقة بالتحركات عبر الحدود الدولية. وتسعى منظمة الصحة العالمية و”فلومايندر” حالياً لإبرام اتفاقيات مع مشغلين آخرين لتوسيع قاعدة البيانات وتحسين دقة التوقعات الوبائية.
