تشهد خريطة التنسيق الجامعي في مصر تحولاً لافتاً في توجهات الطلاب نحو اختيار تخصصاتهم الدراسية، حيث بدأت كليات الذكاء الاصطناعي والحاسبات والبرمجيات في مزاحمة كليات “القمة” التقليدية كالطب والهندسة، مدفوعة بمتغيرات متسارعة في سوق العمل والتوجه العالمي نحو الرقمنة.
تغير في مفهوم “الكلية القمة”
لم يعد “المجموع” وحده هو المعيار الحاسم في تحديد الوجهة الجامعية؛ إذ باتت القدرة على مواكبة الاقتصاد الرقمي وامتلاك المهارات التقنية هي البوصلة الجديدة للطلاب. هذا التحول يعكس وعياً متزايداً لدى الأجيال الجديدة وأسرهم بأن الشهادة الجامعية لم تعد ضماناً كافياً للتوظيف، بل يجب أن تقترن بمهارات عملية تضمن الاستمرارية في سوق عمل متغير.
تجسدت هذه الظاهرة في قصص طلاب مثل “مريم أحمد” التي اختارت الذكاء الاصطناعي رغم حصولها على مجموع يتجاوز 90%، و”نورهان عبدالله” التي تمسكت بالتخصص ذاته بتقدير 82.69%، مفضلات التخصصات التقنية على المسارات الطبية التقليدية لكونها تفتح آفاقاً مهنية أوسع محلياً ودولياً.
توسع استراتيجي في التعليم الجامعي
استجابةً لهذا الإقبال، توسعت وزارة التعليم العالي المصرية في برامج الذكاء الاصطناعي والحاسبات؛ حيث ارتفع عدد الكليات والمعاهد المتخصصة في هذا المجال من 92 مؤسسة في مايو 2025 تضم أكثر من 112 ألف طالب، لتصل حالياً إلى 106 كليات ومعاهد. ويأتي ذلك في إطار توجيهات الرئيس عبدالفتاح السيسي بضرورة إعداد أجيال مؤهلة بأحدث الوسائل العلمية، مع التركيز على دمج تطبيقات الذكاء الاصطناعي في المنظومة التعليمية لتلبية احتياجات المستقبل.
نظرة الخبراء للتحول الرقمي
من جانبها، ترى رحاب الرحماوي، أستاذة الذكاء الاصطناعي بالأكاديمية العسكرية للدراسات العليا والاستراتيجية، أن هذا الإقبال يمثل توجهاً حقيقياً نحو إعادة تعريف المكانة المهنية. وتؤكد الرحماوي أن الشركات اليوم تبحث عن خريجين متمكنين من البرمجة، وتحليل البيانات، وإدارة أدوات الذكاء الاصطناعي، مشددة في الوقت ذاته على أهمية بناء أساس علمي متين وعدم الانجراف وراء دراسة المجال لمجرد “التريند” أو العائد المادي السريع.
وفي السياق ذاته، يرى جمال فرويز، أستاذ علم النفس التربوي بجامعة القاهرة، أن التحول في اختيارات الطلاب يعكس تغيراً في العقلية الجمعية تجاه النجاح المهني. وأوضح أن التوسع الرسمي في تدريس علوم الحاسب ساهم في تغيير نظرة الأسر، مؤكداً أن ما يحدث هو توسيع لمفهوم “كليات القمة” ليشمل التخصصات التي تمنح الطالب ميزة تنافسية في عالم يتطور تقنياً بوتيرة متسارعة.
