تتجلى في التجربة الخطية للفنانة الإماراتية مريم الفارسي قدرة فائقة على تطويع الحرف العربي لخدمة الدلالات الروحية والإنسانية، حيث قدمت لوحة فنية استلهمت فيها الوصية النبوية الخالدة «رفقاً بالقوارير»، لتجسد من خلالها معاني الرحمة والتقدير للمرأة بأسلوب يجمع بين التوازن البصري والعمق الرمزي.
تستند اللوحة في فلسفتها إلى التشبيه البليغ للمرأة بالقوارير، الذي يعكس رقة المشاعر وصفاء القلوب، ويحث المجتمع على التعامل معها بوعي وحذر؛ صوناً لهذا الجمال. وتؤكد الفنانة من خلال عملها أن هذه الرقة ليست دليلاً على الضعف، بل هي قوة هادئة قادرة على مواجهة قسوة الحياة ومنحها التوازن والدفء.
تكوين فني متقن
اعتمدت الفارسي في تشكيلها للوحة على انسيابية الخط الديواني، حيث شغلت صورة «القارورة» المركز، بينما وزعت كلمتي العبارة النبوية على جانبي المنظور الفني. وقد أحدث هذا التوزيع، مع تفاوت أحجام واتجاهات الحروف، توازناً بصرياً مدروساً يقود عين المشاهد من أطراف اللوحة نحو المركز، محاكياً بذلك حركة القارورة في الفضاء البصري.
كما أثرت الفنانة العمل بتفاصيل دقيقة، حيث ملأت المساحات بحروف صغيرة عززت من كثافة التكوين، بينما برزت الحروف الكبيرة في المقدمة، مما خلق حواراً فنياً بين الفراغ والكثافة، والسكون والحركة، وهو ما يخدم في نهاية المطاف دلالة المقولة النبوية ومحتواها الأخلاقي.
دلالات اللون والرمز
لم يكن اللون في لوحة مريم الفارسي مجرد عنصر جمالي، بل وظفته كأداة تعبيرية عميقة؛ إذ سيطر اللون الذهبي أو الأصفر الترابي على مركز اللوحة، موحياً بالدفء، وذاكرة الأرض، والتقديس الذي يحفّ وعاءً ثميناً كالحكمة. وفي المقابل، أضفى اللون الأسود في بعض أجزاء الخط هيبة وثباتاً، حيث عمل كإطار يحتضن الألوان ويحدد وجودها.
أما المساحات البيضاء التي تخللت العمل، فقد أضفت بعداً فلسفياً يعزز العلاقة بين اللون والصمت، ذلك الصمت الذي يمنح الكلمة حضورها ومعناها. وبذلك، تبتعد اللوحة عن كونها مجرد عمل خطي تقليدي، لتصبح حواراً بصرياً متكاملاً بين التراث، والخط، واللون، يحمل في طياته دلالات إنسانية نبيلة.






