تتجه العلاقات الإماراتية الألمانية نحو مرحلة جديدة من التكامل الاستراتيجي، مرتكزة على دمج الخبرات الهندسية والصناعية الألمانية المتقدمة مع البيئة الاستثمارية والبنية التحتية الرقمية والقدرات التمويلية التي تمتلكها دولة الإمارات، لصياغة نموذج عملي لاقتصاد المستقبل القائم على الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الحيوية.

وتعد هذه الشراكة نموذجاً متطوراً للعلاقات الاقتصادية الدولية، حيث تتجاوز التبادل التجاري التقليدي لتشمل البحث والتطوير، ونقل المعرفة، وتوطين الابتكار. وقد تجسد هذا التعاون في زيارة وفد إماراتي إلى ألمانيا في يونيو 2025 لتعزيز العمل المشترك في التقنيات الناشئة، إضافة إلى مذكرة التفاهم الموقعة في مايو 2026 بين مجلس الأمن السيبراني وشركة “سيمنس” لتأسيس مركز ابتكار مشترك لحماية البنية التحتية الحيوية، وفقاً لما أوردته وكالة أنباء الإمارات (وام).

مكاملة الخبرات وبناء “المصنع الذكي”

يرى الخبراء أن قوة هذه الشراكة تكمن في تبادل نقاط القوة؛ فألمانيا تمتلك إرثاً صناعياً وهندسياً عالمياً في قطاعات السيارات والطاقة والمواد المتقدمة، بينما توفر الإمارات منظومة اقتصادية مرنة تتميز بسرعة تبني التكنولوجيا والقدرة على اختبار الحلول المستقبلية في بيئات حقيقية، مثل المدن الذكية والموانئ والمطارات.

ويشير د. أحمد بانافع، خبير الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي، إلى أن المرحلة المقبلة ستركز على “المصنع الذكي” الذي يجمع بين الهندسة الألمانية والذكاء الاصطناعي والبنية التحتية الإماراتية. وفي هذا الصدد، تحولت الإمارات من مجرد سوق للمنتجات الألمانية إلى منصة استراتيجية للوصول إلى أسواق الخليج وآسيا وأفريقيا، مدعومة بحجم تجارة ثنائية تجاوز 13.56 مليار يورو في عام 2025، حيث ارتفعت الواردات الألمانية من الإمارات بأكثر من 50 بالمئة في العام ذاته.

التحول نحو الاستثمار الاستراتيجي والطاقة

لم يعد التعاون مقتصرًا على الجوانب التجارية، بل امتد ليشمل استحواذات استراتيجية؛ حيث أتمت شركة “XRG”، ذراع الاستثمار الدولي في قطاع الطاقة التابعة لـ “أدنوك”، في ديسمبر 2025 صفقة الاستحواذ على شركة “كوفيسترو” الألمانية الرائدة في صناعة الكيماويات والمواد المستدامة بقيمة 14.7 مليار يورو.

كما يمثل قطاع الطاقة جسراً حيوياً للشراكة، في ظل الجهود المشتركة لتعزيز أمن الطاقة والتحول نحو الاستدامة. فمنذ توسيع الشراكة في عام 2022 لتشمل التعاون المناخي، حقق البلدان تقدماً في مجالات الهيدروجين الأخضر، ووقود الطيران المستدام، وتطوير تقنيات تخزين الطاقة. وتتويجاً لذلك، استضافت الإمارات في يناير 2026 الاجتماع العاشر للمجموعة التوجيهية للشراكة الإماراتية – الألمانية في مجال الطاقة، كما وقعت “أدنوك للغاز” في يوليو 2025 اتفاقية توريد للغاز الطبيعي المسال مع شركة “سيفي” الألمانية بقيمة 1.5 مليار درهم، تلتها اتفاقية تعاون استراتيجي بين “أدنوك” و”آر دبليو إي” في فبراير 2026 لتوريد مليون طن متري سنوياً للأسواق الأوروبية.

نحو شراكة قائمة على التطوير المشترك

من جانبه، يؤكد د. حسين العمري، أستاذ علم الحاسوب وخبير الذكاء الاصطناعي، أن أهمية هذا التكامل تبرز مع بروز “الذكاء الاصطناعي المادي” الذي يدخل في صلب العمليات الصناعية والروبوتات وشبكات الطاقة. ويدعو الخبراء إلى ضرورة دفع الشراكة نحو أفق أبعد عبر البحث والتطوير المشترك وتدريب الكفاءات، لضمان تحويل التقنيات التي تُطور في ألمانيا وتُختبر في الإمارات إلى حلول عالمية قابلة للتوسع، مما يرسخ مكانة البلدين كمركزين عالميين للابتكار التكنولوجي والصناعي.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version