كشفت دراسة علمية حديثة نُشرت في دورية “Nature” عن تحديد ثمانية أنماط جينية متكاملة تُعرف بـ “البصمات الطفرية”، والتي تفسر العمليات البيولوجية الكامنة وراء نحو 85 بالمئة من حالات سرطان البروستاتا الأولية. ويفتح هذا الاكتشاف آفاقاً جديدة لتصنيف الأورام بناءً على خطورتها البيولوجية بدلاً من الاكتفاء بالتشخيص العام للمرض.
وقاد هذه الدراسة “مجموعة عموم سرطان البروستاتا”، وهي تحالف دولي يضم باحثين من تسع دول. وقد اعتمد التحليل على فحص الجينومات لأورام أولية أُخذت من 959 مريضاً، وذلك من ضمن قاعدة بيانات أوسع تضم 1209 عينات لأكثر من ألف متبرع. ومن خلال بيانات المتابعة المتوفرة لـ 903 مرضى، سجل الباحثون إصابة 132 حالة بمرض نقيلي خلال فترة زمنية بلغ متوسطها ست سنوات، مما مكنهم من الربط بين الأنماط الطفرية والمسار الفعلي لانتشار المرض.
ما هي البصمات الطفرية؟
يوضح الباحثون أن “البصمة” لا تشير إلى طفرة واحدة محددة، بل هي نمط مميز ينتج عن عمليات بيولوجية داخل الخلايا، مثل اضطرابات إصلاح الحمض النووي أو تلفه. وباستخدام تسلسل الجينوم الكامل ونماذج حاسوبية متقدمة، نجح الفريق في تحديد ثماني بصمات طفرية، تبين أن أربعاً منها ترتبط بشكل مباشر بسرعة انتشار السرطان، وهي موجودة في قرابة 37 بالمئة من الأورام التي خضعت للدراسة.
كما رصدت الدراسة أن العمليات الأكثر خطورة مرتبطة بتلف ناجم عن جزيئات الأكسجين التفاعلية واضطرابات في آليات إصلاح كسور الحمض النووي. ولوحظ أيضاً شيوع أحد هذه الأنماط لدى مرضى من أصول أفريقية، وهي نقطة أكد العلماء حاجتها إلى مزيد من البحث والتقصي لتحديد دلالاتها السريرية.
مستقبل العلاج وتحديات التطبيق
تكمن الأهمية القصوى لهذه النتائج في قدرتها المحتملة على حل معضلة “العلاج الزائد”؛ حيث تتيح للأطباء مستقبلاً التمييز بدقة بين المرضى الذين يحتاجون لتدخلات مكثفة وعاجلة، وأولئك الذين يمكنهم تجنب علاجات غير ضرورية قد تحمل آثاراً جانبية مؤلمة.
وفي هذا السياق، أشار يواكيم فايشنفيلدت، الباحث من جامعة كوبنهاغن، إلى أن هذه البصمات تضع حجر الأساس لتصنيف جزيئي يهدف إلى تحديد الأورام العدوانية في مراحل مبكرة. كما لفت “معهد أبحاث السرطان” في لندن إلى وجود مؤشرات تدل على أن بعض هذه البصمات قد تساعد مستقبلاً في تحديد استجابة المريض لعلاجات معينة في حالات السرطان النقيلي.
ومع ذلك، أكد القائمون على الدراسة أن هذه النتائج لا تزال في مراحلها البحثية ولا تمثل اختباراً جاهزاً للاستخدام السريري في الوقت الراهن. وتتطلب هذه الخريطة الطفرية المزيد من الدراسات السريرية للتأكد من دقتها وفاعليتها قبل اعتمادها كأداة تشخيصية توجه القرارات العلاجية في المستشفيات.
