بعد عامين من التحولات العميقة، يواجه حزب الله مرحلة مفصلية في تاريخه، وسط تباين في التحليلات السياسية حول حجم قوته الفعلية ونفوذه المتبقي داخل الساحة اللبنانية، وذلك في ظل سلسلة من الانتكاسات الأمنية والاستراتيجية التي أعادت رسم خارطة حضوره الإقليمي والمحلي.

هزات أمنية كبرى

يتفق الكاتب والباحث السياسي علي سبيتي ورئيس تحرير موقع “الجنوبية” علي الأمين على أن الحزب تعرض لتحول جوهري في قدراته. ويصف سبيتي عملية تفجير أجهزة “البيجر” بأنها شكلت “زلزالاً هائلاً” ضرب بنية الحزب الأمنية والتقنية، متجاوزة كونها مجرد اختراق عادي، لا سيما مع وقوع أكثر من 4 آلاف ضحية بين قتيل وجريح، واصفاً إياها بـ”المجزرة” التي كشفت هشاشة المنظومة الأمنية للحزب في التعامل مع أدوات الاتصال.

من جانبه، يرى علي الأمين أن العملية كانت “استخبارية استثنائية” تم تنفيذها في غضون 8 ثوانٍ، وأدت إلى إصابات بالغة في صفوف الكوادر. وينتقد الأمين غياب الرواية الرسمية للحزب حول كيفية حدوث هذا الاختراق الكبير والجهة المسؤولة عن تأمين هذه الأجهزة، مشيراً إلى أن الحزب يكتفي بالخطاب التقليدي دون تقديم قراءة نقدية حقيقية أو مكاشفة لعائلات الضحايا، بينما يعزو سبيتي هذا التكتم إلى طبيعة الحزب الأمنية التي تحظر كشف نتائج التحقيقات الداخلية.

خسارة الظهير الاستراتيجي

يشير سبيتي إلى أن التحول الأبرز في مسار الحزب هو خسارته لسوريا التي كانت تمثل “الرئة” الاستراتيجية وعمقاً جغرافياً حيوياً لحركته وإمداداته، مؤكداً أن الحزب فقد القدرة السابقة على المواجهة مع إسرائيل. وفي السياق ذاته، يربط الأمين بين التراجع الميداني ومجريات الوضع الحالي، مشيراً إلى عودة الحياة الطبيعية إلى شمال إسرائيل مقابل استمرار الاعتداءات على جنوب لبنان، ومستشهداً بانسحاب الحزب من مواقع ميدانية مثل “تلة علي الطاهر” كدليل على تراجع نفوذه العسكري.

الواقع السياسي اللبناني

تتباين الآراء حول مدى تماسك نفوذ الحزب في الداخل اللبناني. ففي حين يرى سبيتي أن الحزب لا يزال الطرف الأقوى بفضل تنظيمه السياسي وحضوره النيابي، معتبراً أن السلطة اللبنانية ما زالت توفر له غطاءً سياسياً يحول دون تحويل نقاشات السلاح وقرار الحرب والسلم إلى خطوات تنفيذية، يتبنى الأمين وجهة نظر مغايرة.

يؤكد الأمين أن الحزب يشهد تراجعاً سياسياً ملموساً، مستشهداً بضعف تفاعل حلفائه معه داخل البرلمان. ويرى أن استمرار حالة “ضعف الدولة” لا تعني بالضرورة قوة الحزب، بل تعكس تردداً متجذراً لدى السلطة في تحمل مسؤولية تطبيق القرارات الوطنية الحاسمة. وبين هاتين القراءتين، تظل صورة الحزب اليوم بين كيان سياسي لا يزال متمسكاً بموقعه، وبين قوة تتآكل في ظل غياب الدولة وعجزها عن حسم الملفات السيادية.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version