على خلاف حالات فقر الدم الناتجة عن سوء التغذية أو النزيف، تبرز أمراض الدم الوراثية كحالة صحية مرافقة للإنسان منذ ولادته بسبب تركيبته الجينية. وتعد هذه الأمراض تحدياً صحياً بارزاً في مجتمعاتنا، لا سيما مع انتشار زواج الأقارب الذي يرفع من فرص توارث هذه الاعتلالات بين الأجيال.
أنواع فقر الدم الوراثي الأكثر شيوعاً
تتعدد أشكال هذه الاعتلالات، وعلى رأسها «الثلاسيميا» أو أنيميا البحر الأبيض المتوسط، التي تؤدي إلى خلل في تصنيع الهيموجلوبين، مما يجعل كرات الدم هشة وسريعة التكسر. وفي حين قد لا يعاني حاملو السمة من أي أعراض، تظهر الحالات المتقدمة منذ السنة الأولى بعلامات مثل شحوب الجلد، واصفرار العينين، وتضخم الكبد والطحال، إلى جانب الحاجة المستمرة لنقل الدم.
أما الأنيميا المنجلية، فتتسم بتحول شكل كريات الدم إلى “المنجل” عند نقص الأكسجين أو الجفاف، مما يؤدي إلى انسداد الشعيرات الدموية ونوبات ألم حادة في الصدر والبطن والعظام، مع احتمالية حدوث تلف تدريجي في الأعضاء الحيوية. ويأتي ثالثاً “نقص إنزيم G6PD” المعروف بأنيميا الفول، حيث يعيش المريض حياة طبيعية تماماً حتى يتعرض لمحفزات معينة -كالفول أو بعض الأدوية أو كرات النفتالين- مما يؤدي إلى انهيار مفاجئ في كريات الدم.
التشخيص الدقيق وتجنب الأخطاء العلاجية
يشير د. عمر عيسى حابوه، استشاري وخبير إدارة المنشآت الصحية وأخصائي طب الأسرة والطب الرياضي، إلى ضرورة الحذر من الخطأ الشائع بإعطاء المريض مكملات الحديد. ففي فحوصات فقر الدم الوراثي، قد تظهر الكرات صغيرة الحجم، لكن مخزون الحديد في الجسم يكون طبيعياً أو مرتفعاً، وتراكم الحديد الزائد يشكل خطراً على القلب والكبد.
لذا، يعتمد التشخيص الحاسم على اختبارات متخصصة؛ كالفصل الكهربي للهيموجلوبين للثلاسيميا، واختبارات خاصة للأنيميا المنجلية، وقياس نسبة الإنزيم لأنيميا الفول، مع مراعاة توقيت إجراء الفحص بعد زوال نوبة التكسر بأسابيع.
استراتيجيات العلاج والوقاية
تختلف الخطة العلاجية بحسب شدة الحالة، بدءاً من المشورة الوراثية لحاملي السمة، وصولاً إلى نقل الدم المنتظم وتناول حمض الفوليك وأدوية التخلص من الحديد الزائد للمرضى المصابين، مع خيار زراعة النخاع في حالات محددة. أما مريض أنيميا الفول، فيقتصر علاجه على الالتزام الصارم بتجنب المحفزات المسببة للنوبات.
وفي الجانب الغذائي، يوصى مرضى الثلاسيميا بتقليل تناول اللحوم الحمراء والمكملات الحديدية، مع شرب الشاي لتقليل امتصاص الحديد. بينما يحتاج مرضى المنجلية إلى شرب كميات وفيرة من الماء والتركيز على الخضروات الورقية الغنية بحمض الفوليك.
وفيما يخص التساؤلات حول توريث المرض، يوضح د. حابوه أن زواج حامل السمة من شخص سليم لا يؤدي لظهور المرض سريرياً، بينما يتضاعف الخطر في حال زواج حاملين للسمة، حيث تصل احتمالية إنجاب طفل مريض إلى 25% في كل حمل. ويظل فحص ما قبل الزواج هو الإجراء الوقائي الأهم الذي تتبناه العديد من الدول لضمان سلامة الأجيال القادمة وتجنيب العائلات سنوات من المعاناة.



