في خطوة تعكس احتدام التنافس التكنولوجي العالمي، يستعد مجلس الأمن الدولي لعقد جلسة رفيعة المستوى لمناقشة تداعيات الذكاء الاصطناعي على السلم والأمن الدوليين، بمشاركة استثنائية من شركات تقنية صينية وأميركية بارزة في قلب الأمم المتحدة.
وأفادت مصادر لوكالة “رويترز” بأن الدعوة وُجهت لشركة “ديب سيك” (DeepSeek) الصينية، إلى جانب شركات أخرى مثل “مون شوت”، للمشاركة في إحاطة المجلس المقررة يوم الأربعاء. وعلى الرغم من توجيه الدعوة، تشير التقديرات إلى أن مؤسس “ديب سيك”، ليانغ ون فنغ، لا يعتزم حضور الجلسة شخصياً، مع بقاء الترتيبات خاضعة للتغيير.
مواجهة بين عمالقة التقنية والدبلوماسية
لن يقتصر الحضور على الجانب الصيني، إذ من المقرر أن يخاطب سام ألتمان، الرئيس التنفيذي لشركة “أوبن إيه آي” (OpenAI)، الاجتماع، في حين يتوقع دبلوماسيون مشاركة مسؤولين رفيعي المستوى من شركة “أنثروبيك” (Anthropic). وتنعقد هذه الجلسة تحت رئاسة فرنسا، وبقيادة وزير خارجيتها، جان نويل بارو.
وتسعى باريس من خلال هذه الجلسة إلى تسليط الضوء على مخاطر فقدان السيطرة على الأنظمة المتقدمة، واحتمالية توظيف هذه التقنيات في أعمال تهدد الأمن الدولي، إلى جانب المخاطر المرتبطة بسوء استخدامها. ومن المنتظر أن يركز ألتمان في كلمته على ضرورة وضع معايير سلامة عالمية مشتركة، خاصة مع تزايد التحذيرات من وصول الأنظمة المستقبلية إلى مرحلة التطوير الذاتي أو التصرف بطرق تتجاوز القدرة البشرية على التحكم.
تباين الرؤى حول حوكمة الذكاء الاصطناعي
تمثل مشاركة “ديب سيك” نقطة تحول في النقاش الدولي، حيث تضع وجهة النظر الصينية في مواجهة مباشرة مع الشركات الأميركية التي تتصدر المشهد العالمي لمناقشة مخاطر الذكاء الاصطناعي. وفي حين تدعو شركات أميركية إلى إبطاء منسق لتطوير الأنظمة القوية، ترى وسائل إعلام صينية رسمية أن هذه المطالبات تندرج ضمن “منطق الحرب الباردة”، وتهدف إلى تكريس الهيمنة الأميركية وعرقلة بكين عن المشاركة في وضع قواعد الحوكمة العالمية.
وتظهر الهوة واضحة بين الطرفين؛ إذ تنصب مخاوف واشنطن على قضايا “فقدان السيطرة” والاستخدامات القمعية للذكاء الاصطناعي، بينما تخشى بكين أن تُستخدم “ضوابط السلامة” كذريعة لتقييد طموحاتها التكنولوجية. وتأتي هذه الجلسة في وقت يجري فيه الطرفان محادثات تقنية حول سلامة الذكاء الاصطناعي، تزامناً مع استعدادات للرئيسين دونالد ترامب وشي جين بينغ لإجراء محادثات ثنائية.
من المختبرات إلى أروقة القرار
يُذكر أن مجلس الأمن كان قد ناقش مخاطر هذه التقنية للمرة الأولى عام 2023، حيث حذرت الصين حينها من تحول الذكاء الاصطناعي إلى “حصان جامح”، بينما نبّهت الولايات المتحدة إلى مخاطر استخدامه في الرقابة والقمع. ومع ذلك، تكتسب الجلسة الحالية أهمية خاصة بحضور مباشر من الشركات المطورة لهذه الأنظمة، مما يطرح تساؤلات حول مسؤولية القطاع الخاص في ضمان أمن هذه التكنولوجيا.
إن حضور “ديب سيك” في أروقة مجلس الأمن، وإن لم يمنحها صلاحيات اتخاذ القرار، يؤكد أن ملف الذكاء الاصطناعي قد تحول إلى قضية أمن قومي ونفوذ جيوسياسي، وأن المعركة حول مستقبل هذه التقنية لم تعد محصورة داخل المختبرات، بل انتقلت لتكون جزءاً محورياً من صياغة النظام الدولي الجديد.






