تُعد الفنانة التشكيلية عائشة المطروشي إحدى أبرز ركائز الحراك الفني الإماراتي، حيث تقدم في تجربتها الإبداعية مزيجاً متفرداً يجمع بين التعبيرية والتجريد. وتتجلى هذه الرؤية بوضوح في لوحتها «انعكاسات» التي عُرضت ضمن فعاليات معرض «وجوه» بتنظيم من جمعية الإمارات للفنون التشكيلية، لترصد من خلالها صراعات النفس البشرية وقلق الإنسان المعاصر.

تتجاوز المطروشي في عملها “انعكاسات” الأسلوب التقليدي لرسم الوجوه، حيث اختارت “التشظي” كأداة بصرية لتجسيد الانفعالات الداخلية، مثل القلق والتوتر والمخاوف الوجودية المرتبطة بتقلبات العصر. وبدلاً من التركيز على الملامح الجامدة، غاصت الفنانة في تصوير الحالة الشعورية للإنسان، محولةً اللوحة إلى مساحة للتأمل الفلسفي حول التعقيدات النفسية التي يفرضها واقعنا المعاصر.

جدلية الفوضى والنظام

يعتمد البناء الفني للوحة على خطوط سوداء منسابة وتلقائية، تعمل على تشكيل الوجوه المتفرقة والمتداخلة. ورغم ما يبدو للوهلة الأولى من عشوائية في هذه الخطوط، إلا أنها تتناغم في النهاية لتكشف عن ملامح حبيسة داخل فضاء العمل، مما يجسد صراع الذات الإنسانية الدائم بين نوازع الفوضى وضرورات النظام.

وتوظف المطروشي تقنية ذكية في طمس الحدود بين الشخوص والخلفية، مما يعزز فكرة الاغتراب والتشظي الداخلي. ومع ذلك، يمكن للمتلقي المدقق رصد الوجوه المتميزة بألوانها البرتقالية والصفراء، حيث تبرز ملامح كالأنف والشفاه في وضعيات توحي بأن كل وجه هو امتداد للآخر وانبثاق منه.

اللون كأداة تعبيرية

يحتل اللون الأحمر حيزاً مركزياً في اللوحة، حيث يمنح التكوين طاقة وحيوية تعكس عواطف جياشة. وتستثمر الفنانة كثافة ألوان الأكريليك وضربات الفرشاة العريضة لخلق توازن بصري بين الألوان الحارة كالأصفر والبرتقالي، والألوان الباردة كالأزرق، مع حضور اللون الأسود الذي يضبط إيقاع الحركة.

إن التجربة الفنية لعائشة المطروشي في «انعكاسات» لا تكتفي بتقديم قيمة جمالية فحسب، بل تدعو المتلقي إلى تفكيك الدلالات الخفية للعمل، لتغدو لوحتها مرآة تعكس تجاذبات الإنسان في عالمٍ دائم التقلب، ووثيقة بصرية ترصد نبض الوجوه وسط صخب الحياة.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version