تضع خطط الانسحاب المرتقبة للقوات الأجنبية من العراق الدولة أمام تحديات استراتيجية كبرى، تتركز في القدرة على حماية السيادة الجوية وضبط السلاح المنفلت، وسط انقسام في تقديرات الخبراء حول مدى جاهزية بغداد لملء هذا الفراغ الأمني.
السيادة بين تطلعات الدولة وواقع الميدان
يرى عدنان السراج، رئيس مركز التنمية للدراسات الاستراتيجية، أن خروج القوات الأجنبية يمثل فرصة جوهرية أمام الحكومة العراقية لترتيب البيت الداخلي، متوقعاً أن يستغرق مسار حصر السلاح بيد الدولة فترة تتراوح بين ثمانية أشهر ونصف إلى تسعة أشهر. ويشير السراج إلى أن التحدي لا يقتصر على الفصائل المسلحة فحسب، بل يمتد إلى وجود جماعات مسلحة غير عراقية في إقليم كردستان، مما يضع بغداد في مواجهة معقدة مع دول الجوار.
في المقابل، يبدي أستاذ العلوم السياسية بجامعة كركوك، مهند الجنابي، تحفظاً على فكرة أن الانسحاب سيعزز السيادة بشكل تلقائي. ويؤكد الجنابي أن القوات الأميركية جاءت بطلب رسمي من الحكومة العراقية عام 2014 ضمن التزامات دولية، مشدداً على أن السؤال الأكثر إلحاحاً هو مدى قدرة العراق على تأمين الدفاع الجوي بمفرده، خاصة بعد اعتراف قيادة الدفاع الجوي أمام البرلمان بعدم قدرتها حالياً على تغطية كامل الأجواء الوطنية.
معضلة الدفاع الجوي والأمن الداخلي
وعلى الرغم من تباين وجهات النظر، يتفق الطرفان على وجود “ثغرة” حقيقية في منظومات الدفاع الجوي العراقية. وبينما يشير السراج إلى تعقيدات مسار الحصول على منظومات تسليح متطورة من روسيا أو الصين، يوضح الجنابي أن رئيس الوزراء يسعى لتقليص مدة تجهيز منظومات الدفاع الجوي من ست سنوات إلى ثلاث.
وحول استقرار الوضع الأمني، يستبعد السراج حدوث فراغ يسمح لتنظيم “داعش” بالعودة، مراهناً على قدرات الجيش العراقي وقوات البشمركة التي تضم أكثر من 220 ألف مقاتل. ومن جهة أخرى، يحذر الجنابي من استمرار استهداف المصالح العراقية وإقليم كردستان بواسطة الطائرات المسيّرة والصواريخ، مؤكداً أن الإقليم الذي تعرض لأكثر من ألف هجوم سابقاً، لا يملك منظومة دفاع جوي، ولا تكفيه الضمانات السياسية في ظل غياب القدرة العسكرية على الردع.
مستقبل السلاح والتوترات الإقليمية
ويحتدم النقاش حول السلاح في إقليم كردستان، حيث يشدد الجنابي على ضرورة التمييز بين “البشمركة” كقوة دستورية رسمية، وبين الفصائل الخارجة عن القانون. وأشار إلى وجود تنسيق سابق بين بغداد وأربيل لتفكيك وجود الجماعات المعارضة لدول الجوار، مؤكداً أن الحكومة الاتحادية تتحمل المسؤولية القانونية تجاه الجماعات المحظورة مثل حزب العمال الكردستاني.
وفي حين يعتقد السراج أن انسحاب القوات الأميركية قد يسحب الذرائع التي تتخذها الفصائل لاستهداف الإقليم، يبدي الجنابي تشاؤماً إزاء ذلك، مستنداً إلى تجارب سابقة لعدم استجابة هذه الفصائل للقرارات السياسية بوقف التصعيد، ليظل التوتر الأميركي-الإيراني المحرك الأساسي للاستقرار في العراق مستقبلاً.






