تحذر المؤرخة الروسية أولغا نيكولاييفنا تشيتفيريكوفا في كتابها «من سيحكم العالم؟ الشمولية الرقمية» -الذي ترجمه إلى العربية باسم الزعبي- من تحول عالمي نحو نمط جديد من السلطة، حيث تتجاوز الهيمنة حدود الدول والزعماء التقليديين لتنتقل إلى شبكة معقدة من الكيانات التقنية والمالية العابرة للحدود.
تطرح المؤلفة تساؤلاً جوهرياً حول طبيعة الحكم في العصر الرقمي، مؤكدة أن ما نشهده ليس مجرد تحديث إداري أو ثورة معلوماتية محايدة، بل إعادة هندسة شاملة للسيادة والعلاقات الاجتماعية. وتجادل تشيتفيريكوفا بأن التحول الرقمي بات يمثل أداة “للشمولية الناعمة”، التي تعتمد على التتبع المستمر والتصنيف الرقمي عوضاً عن أساليب القمع التقليدية، مما يجعل الإنسان عنصراً في منظومة بيانات تدار بدقة للتحكم في سلوكه وتوجهاته.
التعليم كأداة للبرمجة السلوكية
يضع الكتاب التعليم في صدارة المخاطر التي تهدد الوعي الإنساني، محذراً من استهداف الأطفال عبر منصات رقمية قائمة على القياس والتتبع. وترى المؤلفة أن هذا التوجه يحول التعليم إلى أداة لـ “البرمجة السلوكية”، مقصيةً الدور الإنساني للمعلم، ومستبدلة إياه بخوارزميات قد تؤدي إلى ما وصفته بـ “الخرف الرقمي”. كما تشير إلى أن الهدف النهائي لهذه المنظومة هو إنتاج «الإنسان ذو الزر الواحد»، الذي يخضع بالكامل لهيمنة الأنظمة التقنية عبر أدوات مثل الهوية الرقمية والسجلات الموحدة.
هندسة عالمية تتجاوز الحدود
رغم تركيز الكتاب على الواقع الروسي وانتقاد الكاتبة لتبني السلطات الروسية نماذج رقمية مستوردة من الغرب، تؤكد تشيتفيريكوفا أن الظاهرة عالمية بامتياز. وتنتقد المؤلفة انخراط الدول في مشاريع دولية مثل «أجندة الأمم المتحدة 2030»، معتبرة أنها تحمل مشروعاً عابراً للقوميات يهدف إلى تقويض السيادة الوطنية. وتخلص الكاتبة إلى أن شركات التكنولوجيا الكبرى، مثل جوجل ومايكروسوفت، ليست أطرافاً محايدة، بل هي المحرك الأساسي لنشر هذا النموذج الشمولي العالمي الذي تعزز حضوره بشكل أكبر في أعقاب جائحة كورونا، التي جعلت من الرقمنة ضرورة ملحة في كافة مجالات الحياة.
يُذكر أن أولغا نيكولاييفنا تشيتفيريكوفا، مؤلفة الكتاب، هي مؤرخة وأستاذة مشاركة في معهد موسكو الحكومي للعلاقات الدولية، وتشتهر بنقدها الحاد للعولمة والنظام الرقمي الحديث من منظور فكري يركز على صراع الهوية والسيادة في مواجهة الحداثة التقنية.






