تطرح الفيلسوفة البريطانية ميري ورنوك في كتابها «الذاكرة في الفلسفة والأدب» رؤية عميقة حول جوهر الذاكرة الإنسانية، متجاوزةً كونها مجرد أداة لاسترجاع الماضي لتضعها كركيزة أساسية لهوية الفرد واستمرارية وجوده عبر الزمن.
تستهل ورنوك طرحها بالتساؤل عن سر التقدير الكبير للذاكرة، مشيرة إلى أن فقدانها يمثل عجزاً وجودياً، بينما يظل الجانب التأملي منها محركاً أساسياً لفهمنا لذواتنا. وتشدد المؤلفة على ضرورة تجاوز الثنائية التقليدية التي تفصل بين العقل والجسد، وهي الثنائية التي هيمنت على الفكر لسنوات طويلة، مؤكدة أن فهم الذاكرة يتطلب النظر إلى العقل والجسد ككيان موحد لا ينفصل.
الذاكرة بين الفلسفة والأدب
تنتقد ورنوك التوجهات الديكارتية التي لا تزال عالقة في اللغة والوعي رغم التطور العلمي، وتستحضر رؤى فلاسفة مثل سبينوزا وجلبرت رايل لتقديم مقاربة مغايرة. كما تفرق المؤلفة بوضوح بين «الذاكرة» و«المخيلة»؛ فبينما يرتبط التذكر بوعي بما وقع بالفعل، تفتح المخيلة أفقاً نحو الممكن واللاموجود. وتستند في تحليلها إلى أطروحات جون لوك وبرجسون وسارتر، لتوضح كيف تحولت الذاكرة إلى موضوع مركزي في الفلسفة الحديثة.
ولا يقتصر الكتاب على الجانب الفلسفي الجاف، بل يمتد ليشمل الأدب، حيث توضح ورنوك أن الذاكرة في النصوص الإبداعية ليست ناقلاً للأحداث بقدر ما هي وسيلة لإعادة تشكيل الزمن وتجربة الذات، مما يجعل من فعل التذكر عملية إبداعية بامتياز.
إشكالية العقل والجسد
تناقش ورنوك لماذا يبدو من المتعذر مناقشة الذاكرة دون التطرق للدماغ والجسد، خلافاً لظواهر عقلية أخرى كالفكاهة أو اتخاذ القرار. وترى أن التداخل بين عالم الذاكرة والواقع البيولوجي للدماغ يفرض نفسه، خاصة وأن الذاكرة ظاهرة تتجاوز الإنسان لتشمل الكائنات الأخرى، وهو ما يجعل الاعتماد على «الاستبطان الداخلي» وحده غير كافٍ في دراستها.
وتخلص الكاتبة إلى أن الذاكرة هي التي تمنح حياتنا معناها، وتحدد هويتنا وعلاقتنا بالآخرين، داعية إلى التأمل في كيفية صياغة ذواتنا ليس فقط عبر ما نتذكره، بل ربما أيضاً عبر ما نختاره للنسيان.
عن المؤلفة
يعد هذا العمل امتداداً لمسيرة حافلة لميري ورنوك، المولودة عام 1924، والتي برعت في حقول الأخلاق والتربية وفلسفة العقل. وقد اشتهرت، إلى جانب الروائية إيريس مردوخ، بدورها البارز في التعريف بالفلسفة الوجودية ضمن الأوساط الأكاديمية في جامعة أكسفورد، مقدمةً إسهامات أثرت المكتبة الفلسفية المعاصرة.




