وضعت منظمات المجتمع المدني الإفريقي قيادة الجيش السوداني أمام ضغوط دولية وإقليمية متصاعدة، مطالبةً بفتح المنشآت العسكرية أمام فرق التفتيش الدولية للتحقق من مزاعم استخدام أسلحة كيميائية في النزاع الدائر. جاء ذلك في ختام اجتماعات موسعة للمنتدى الإفريقي، الذي رفع توصياته إلى اللجنة الإفريقية لحقوق الإنسان والشعوب تمهيداً لانعقاد دورتها العادية التاسعة والثمانين في العاصمة السنغالية داكار، والتي تستمر أعمالها حتى 21 أكتوبر الجاري.
اختبار الشفافية والمساءلة
طالب المنتدى، الذي ضم ممثلين عن 400 منظمة حقوقية من 37 دولة، سلطات بورتسودان بالتعاون الكامل مع منظمة حظر الأسلحة الكيميائية. وتضمنت المطالب الإفريقية ضرورة السماح لفرق فنية دولية بإجراء تحقيقات مستقلة وشفافة، والالتزام بالإفصاح عن أي مرافق لإنتاج الأسلحة المحظورة، وتحديد مواقع الذخائر ذات الصلة لتمكين المنظمة من التحقق منها والإشراف على تدميرها وفق الاتفاقيات الدولية.
وتضع هذه التوصيات رئيس مجلس السيادة السوداني، عبد الفتاح البرهان، وقيادة الجيش أمام اختبار حاسم؛ حيث يرى المراقبون أن فتح المنشآت هو المسار الوحيد لدحض الاتهامات، بينما سيؤدي استمرار الرفض إلى تعميق الشكوك الدولية حول طبيعة الأسلحة المستخدمة في المعارك.
سياق “الأرض المحروقة” والوضع الإنساني
لم تقتصر توصيات المنتدى على ملف الأسلحة الكيميائية، بل شملت إدانة واسعة لما وصفه بأساليب “حرب الأرض المحروقة”، المتمثلة في القصف الجوي والمدفعي والهجمات بالطائرات المسيّرة على المناطق المأهولة في دارفور وكردفان. كما سلطت التوصيات الضوء على الكارثة الإنسانية التي أدت إلى نزوح نحو 16 مليون شخص، وتهديد أكثر من 20 مليوناً بخطر المجاعة، فضلاً عن حرمان ملايين الأطفال من التعليم وتدمير البنية التحتية الصحية.
وأدان المنتدى الانتهاكات الجسيمة المنسوبة لطرفي النزاع، بما في ذلك الإعدامات خارج نطاق القضاء، والاحتجاز التعسفي، والتعذيب، والعنف الجنسي، والقتل على أسس إثنية، مؤكداً أن هذه الحرب هي نتيجة لمسار طويل من الانقلابات والعسكرة والإفلات من العقاب.
نحو رقابة دولية شاملة
دعت المنظمات الإفريقية إلى ضرورة فرض وقف فوري لإطلاق النار تحت رقابة آلية دولية مستقلة، لضمان حماية المدنيين وفتح ممرات إنسانية آمنة. كما شددت التوصيات على أهمية تجفيف منابع التدخل الخارجي، وقطع خطوط الإمداد بالسلاح والتمويل التي تطيل أمد الصراع.
وفيما يخص العدالة، حث المنتدى دول الاتحاد الإفريقي على تعزيز التنسيق مع المحكمة الجنائية الدولية لتسليم المطلوبين في قضايا جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية، لإنهاء حقبة الإفلات من العقاب التي لا تزال تخيم على المشهد السوداني.
ومع بدء الدورة العلنية للجنة الإفريقية في داكار، تتجه الأنظار نحو ما إذا كانت اللجنة ستتبنى هذه التوصيات كقرار رسمي، مما سيحول ملف “الأسلحة الكيميائية” من مجرد اتهامات غربية إلى موقف إفريقي موحد يطالب بالتحقيق والمحاسبة.






