مع تسارع وتيرة التطور التقني، يواجه العالم تحدياً جديداً يتمثل في “الذكاء الاصطناعي الوكيل”، وهي أنظمة قادرة على اتخاذ قرارات مستقلة وتنفيذ مهام معقدة دون تدخل بشري مباشر. وفي هذا السياق، أكد خبراء ومسؤولون دوليون، خلال جلسة “اختبار الثقة للذكاء الاصطناعي” التي عُقدت ضمن أعمال المنتدى الاقتصادي العالمي، أن نجاح هذه الثورة التكنولوجية مرهون بقدرة المجتمع الدولي على بناء منظومة ثقة تضمن إبقاء الإنسان في مركز القرار.
مفهوم “الوكيل الذكي” ومخاطر الحوكمة
أجمع المشاركون في الجلسة، التي أدارتها لبنى بوظة، على أن الجيل الجديد من الذكاء الاصطناعي يعد بقفزة نوعية في الإنتاجية، لكنه يطرح في الوقت ذاته تساؤلات جوهرية حول المسؤولية والشفافية. وأشار وزير الاقتصاد الرقمي في الغابون، دومبا، إلى وجود فجوة كبيرة بين سرعة الابتكار والتشريعات الوطنية، داعياً إلى وضع “حدود آمنة” وأدوات رقابية برمجية تتيح التدخل البشري عند الضرورة القصوى، خاصة في القطاعات الحيوية كالتمويل والصحة والأمن.
من جانبه، شدد عمر سلطان العلماء، وزير دولة للذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي وتطبيقات العمل عن بُعد في دولة الإمارات، على أن جوهر الثقة في التكنولوجيا ينبع من الثقة بين البشر، مؤكداً أن الذكاء الاصطناعي يجب أن يظل أداة مساندة لا بديلة عن الإنسان في القرارات الحساسة التي تمس الحقوق والمستقبل.
التجربة الإماراتية والرهان على الخدمات الذكية
استعرض عمر سلطان العلماء التجربة الإماراتية في هذا المجال، كاشفاً عن استهداف الحكومة تنفيذ 50 بالمئة من خدماتها الاتحادية عبر أنظمة ذكية خلال العامين المقبلين. وأوضح أن النهج الإماراتي يعتمد على التدرج، بدءاً من المهام الإدارية والخدمات الروتينية وصولاً إلى الوظائف الأكثر تعقيداً، مع تأسيس منظومة رقابية متخصصة لتوثيق ومراجعة قرارات “الوكلاء الرقميين” لضمان قابليتها للتتبع والمحاسبة.
تحديات دولية وهاجس الأجيال الناشئة
وعلى الصعيد الدولي، أوضح العلماء أن التنافس الجيوسياسي والاقتصادي بين الدول يعرقل التوصل إلى توافق عالمي شامل بشأن حوكمة الذكاء الاصطناعي، مشيراً إلى أن النقاشات في المؤسسات الدولية كالأمم المتحدة ومجموعة العشرين لم تفضِ بعد إلى اتفاقات ملزمة. ومع ذلك، شدد على أولوية التوافق الدولي بشأن الاستخدامات الخطرة، مثل أنظمة الأسلحة ذاتية التشغيل.
من ناحية أخرى، حذرت يالدا عوكر، الشريك المؤسس والمدير في “Bracket Capital”، من التأثير النفسي والاجتماعي لهذه التقنيات على الأطفال والمراهقين. وأكدت أن الأجيال الجديدة تمثل الاختبار الحقيقي لمدى أمان هذه الأنظمة، داعيةً الشركات والمطورين إلى تبني مبدأ “الأمان منذ التصميم” للحماية من المخاطر السلوكية والاجتماعية طويلة الأمد.
مستقبل الوظائف ومعادلة التوازن
ختاماً، ناقش المشاركون المخاوف المرتبطة بسوق العمل، حيث اتفقوا على أن الذكاء الاصطناعي سيغير طبيعة المهن، لكن التحدي الحقيقي يكمن في تأهيل العنصر البشري وتزويده بالمهارات الجديدة. وخلصت الجلسة إلى أن المرحلة الحالية تشكل منعطفاً تاريخياً؛ فبينما يوفر “الذكاء الاصطناعي الوكيل” كفاءة اقتصادية غير مسبوقة، يظل الاختبار الحقيقي هو ضمان ألا تتحول هذه التقنية إلى مصدر للمخاطر، عبر حوكمة تضع مصلحة الإنسان وكرامته فوق أي اعتبارات تقنية.






