كشفت دراسة أثرية جديدة حول بقايا إنسان “نياندرتال” عُثر عليها في كهف “شانيدار” عن أدلة مثيرة للجدل بشأن طبيعة الحياة في عصور ما قبل التاريخ، مرجحة أن العنف بين البشر كان أكثر شيوعاً وعمقاً في التاريخ مما كان يُعتقد سابقاً.
أدلة على جروح غامضة
تشير البقايا المعروفة باسم “شانيدار أ”، والتي عُثر عليها ضمن مجموعة تضم رفات ما لا يقل عن 10 أفراد من النياندرتال خلال عمليات تنقيب في الخمسينيات، إلى تعرض أحد هؤلاء الأفراد لإصابة بالغة. وتعتبر هذه الإصابة، وفقاً للباحثة بوميروي، أول دليل على استخدام الرماح الخشبية المدببة في منطقة الشرق الأوسط في عصور ما قبل التاريخ.
وأوضحت بوميروي أن طبيعة الكسر في العظم تتخذ شكلاً دائرياً يصعب تفسيره بحدوثه بشكل طبيعي، مشيرة إلى أن التجارب التي أُجريت باستخدام رماح خشبية أعيد بناؤها أحدثت ثقوباً مستديرة مطابقة تماماً لتلك الموجودة في العظام المكتشفة.
جدل حول أسباب الإصابة
ورغم هذه الاكتشافات، تظل طبيعة العنف بين الأفراد غير مؤكدة تماماً؛ إذ يطرح الباحثون احتمالية أن يكون الجرح ناتجاً عن “نيران صديقة” أو حادث عرضي أثناء الصيد. في المقابل، يرى البروفيسور كريس سترينجر، من متحف التاريخ الطبيعي في لندن، أن تعرض النياندرتال لهجوم من قبل منافسين يعد تفسيراً أكثر ترجيحاً، بالنظر إلى موقع الإصابة ومدى حدتها.
ويتقاطع هذا الاكتشاف مع واقعة أخرى سُجلت في الكهف نفسه عام 1957، حيث عُثر على رفات إنسان نياندرتال عاش قبل نحو 50 ألف عام، وظهرت على أضلاعه آثار جرح ملتئم جزئياً يعتقد علماء الآثار أنه نتج عن رمح ذي رأس حجري.
العنف في سجل التاريخ البشري
وعلى الرغم من صعوبة الجزم فيما إذا كانت تلك الإصابات ناتجة عن حوادث صيد مع رفاق أم نتيجة اعتداءات متعمدة من خصوم، إلا أن هذه البقايا تعزز مجموعة الأدلة المتنامية التي تشير إلى أن العنف البشري المتبادل قديم جداً وواسع الانتشار.
وفي هذا السياق، أكد البروفيسور سترينجر أن تراكم هذه الأدلة العلمية يشير بوضوح إلى أن ممارسة العنف بين الأفراد متجذرة في أعماق تاريخ البشرية قبل التاريخ، وهو ما يتجاوز التصورات التي كان يتبناها الإجماع العلمي حتى وقت قريب.




