في ظل ضغوط المنافسة الشرسة التي تفرضها شركات السيارات الصينية، لجأت كبرى الشركات الأوروبية إلى استراتيجية “استدعاء الماضي” عبر إحياء طرازات كلاسيكية أيقونية في ثوب كهربائي، محاولةً بذلك تمييز منتجاتها وجذب جيل جديد من المشترين من خلال بوابة الحنين إلى التراث، بدلاً من الدخول في سباق تقني قد لا تملك فيه الأفضلية حالياً.
استراتيجية “الإرث” كخندق دفاعي
شهد معرض باريس للسيارات توجهاً لافتاً من قادة الصناعة في أوروبا؛ حيث كشف أنطونيو فيلوسا، الرئيس التنفيذي لشركة “ستيلانتيس”، عن طراز “سيتروين 2CV” الكهربائي الجديد، مستحضراً السيارة التي ارتبطت بالمزارعين الفرنسيين لعقود. كما تراهن “رينو” بقوة على سيارتها “R5” الكهربائية التي أعادت إحياء طراز عام 1972، بينما تعمل “فولكس فاجن” على تزويد سياراتها الكهربائية الجديدة بلمسات تصميمية مستوحاة من العصر الذهبي لطراز “غولف” في ثمانينات القرن الماضي.
وتشير تقارير “رويترز” من المعرض إلى أن هذا التوجه لم يعد مجرد استثارة للعواطف، بل بات استراتيجية رسمية. ففي مواجهة تقنيات الصينيين في بطاريات الليثيوم والبرمجيات المتطورة، تدرك الشركات الأوروبية أن “الإرث التاريخي” هو الميزة الوحيدة التي يعجز المنافسون الصينيون عن محاكاتها، إذ لا يمكن نسخ 50 عاماً من الذاكرة الجماعية دون أن يبدو الأمر مصطنعاً.
صراع التكاليف والابتكار
تستمر شركات مثل “بي واي دي” و”جيلي” و”نيو” في توسيع حصتها السوقية في أوروبا، التي بلغت نحو 11% في الربع الثاني من عام 2026 وفقاً لبيانات “شميدت لأبحاث السيارات”. وتتفوق هذه الشركات بتقديم سيارات ذات تقنيات متطورة، مثل أنظمة مساعدة السائق المتقدمة وشاشات أكبر وتكاليف إنتاج أقل، في حين لا تزال الشركات الأوروبية تواجه فجوة في كفاءة البطاريات وتكلفتها تصل إلى 3 أو 4 سنوات من البحث والتطوير.
ورغم ذلك، يبدأ “الحنين” بإحداث فارق تجاري؛ فقد أصبحت “رينو 5” الكهربائية الأكثر مبيعاً في فئتها بأوروبا هذا العام، وهو ما ساهم في نمو إيرادات مجموعة “رينو” بنسبة 9% في النصف الأول من العام. ويؤكد لورنس فان دن أكر، رئيس قسم التصميم في “رينو”، أن الشركة تسعى لإثارة استجابة عاطفية محددة في سوق باتت فيه السيارات الكهربائية تبدو متشابهة كأنها “كبسولات انسيابية”.
تحديات قائمة ومستقبل غامض
ترى الشركات الأوروبية في “التراث” خندقاً دفاعياً يساعد في تسعير السيارات بشكل منافس؛ حيث يُطرح طراز “رينو 5” بسعر يبدأ من 25 ألف يورو، ومن المتوقع أن يقل سعر طراز “2CV” عن 22 ألف يورو. ومع ذلك، يقر الخبراء أن هذا النهج لا يعالج جذور الأزمة، حيث لا يزال المصنعون الأوروبيون يدفعون تكاليف أعلى للبطاريات بنسبة تتراوح بين 30% إلى 40% مقارنة بالمنافسين الصينيين.
ويبدو المشهد الأوروبي حالياً مزيجاً بين “العصا والجزرة”؛ فبينما يتم الدفع باتجاه إجراءات تجارية حمائية عبر وثيقة الدفاع التجاري الفرنسية الألمانية الصادرة في 5 أكتوبر، يظل “الحنين إلى الماضي” هو الأداة الجاذبة للمستهلكين، في محاولة أخيرة من القلاع الصناعية الأوروبية للحفاظ على مكانتها في ظل واقع جديد لم تعد فيه القوة التقنية كافية وحدها للبقاء.






