شهدت فرنسا يوم أمس السبت تصعيداً حاداً في الاحتجاجات الشعبية المنددة بارتفاع تكاليف المعيشة وتدهور الخدمات العامة، في حراكٍ واسع تخللته مواجهات عنيفة بين المتظاهرين وقوات الأمن، مما أسفر عن عشرات الإصابات والاعتقالات، وسط مخاوف من امتداد “عدوى الاحتجاج” إلى دول أوروبية أخرى تشهد تحركات مشابهة.

وقدّر الاتحاد العام للعمل أعداد المشاركين في الاحتجاجات بنحو 800 ألف متظاهر، بناءً على تقديرات من مدن عدة مثل مرسيليا، وستراسبورغ، وليل، وبوردو، ومونبلييه، ونانت، وهو ما وصفه الاتحاد بأنه التحرك الأكبر منذ مطلع العام الدراسي، متجاوزاً بذلك تقديرات الشرطة التي توقعت مشاركة 200 ألف شخص فقط.

مواجهات عنيفة واقتحامات للمباني الرسمية

اتسمت التحركات بطابع صدامي في عدة مناطق، حيث أعلنت وزارة الداخلية الفرنسية عن توقيف 272 شخصاً على خلفية أعمال شغب شملت محاولات نهب، وإضرام حرائق، واقتحام مقار حكومية وإعلامية. وفي باريس، استخدمت قوات الأمن الغاز المسيل للدموع وخراطيم المياه لتفريق محتجين ملثمين هاجموا مقر قناة “سي نيوز” التلفزيونية، بينما شهدت مدن أخرى اقتحاماً لمبنى بلدية ليل ومبنى بلدية مرسيليا، إضافة إلى إحراق مكتب للسياحة في ليون.

من جانبه، دان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مظاهر العنف، مؤكداً أنه “لا مكان للفوضى في فرنسا”، وشدد على ضرورة اقتران حق التظاهر باحترام الممتلكات والأشخاص. وفي سياق متصل، أشاد رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو عبر منصة “إكس” بتضحيات قوات الشرطة والدرك، مشيراً إلى إصابة أكثر من 900 عنصر من قوات الأمن خلال المواجهات، في حين فتحت الهيئة المعنية بمراقبة الشرطة تحقيقات في 24 شكوى تتعلق باستخدام القوة المفرطة.

جدل حول الأسلحة المستخدمة وقلق أوروبي

سلطت الأحداث الضوء مجدداً على الأسلحة التي تستخدمها الشرطة، حيث أفادت تقارير بإصابة متظاهر في مدينة سانت إتيان وفقدانه ليده إثر انفجار عبوة أطلقتها القوات الأمنية، وهي الحادثة التي تزامنت مع انتقادات واسعة لاستخدام “القنابل الصوتية”، خاصة بعد إصابة فتى (15 عاماً) في أكتوبر الجاري بالطريقة ذاتها، رغم تعليق السلطات لاستخدام هذه الأسلحة لفترة مؤقتة.

وتأتي هذه الاضطرابات بالتزامن مع تحركات شعبية مماثلة في البرتغال وبلجيكا احتجاجاً على الأزمة الاقتصادية، مما يعكس حالة من التوتر الاجتماعي في القارة الأوروبية في ظل ارتفاع الإنفاق العسكري وسط المخاوف الأمنية الراهنة. ويخشى مراقبون أن يتقاطع الحراك الطلابي الحالي -الذي بدأ الشهر الماضي باحتجاجات على سوء المرافق التعليمية ونقص المعلمين- مع حركة “السترات الصفراء” التي ظهرت عام 2018، وذلك مع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية في ربيع العام المقبل.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version