تتحول المهارات اليدوية في الهند اليوم إلى وقود لتطوير تقنيات “الذكاء الاصطناعي المادي”، حيث بات الحلاقون، وعمال المنسوجات، والعاملات المنزليات يسجلون تفاصيل حركاتهم اليومية عبر كاميرات مثبتة لتدريب الروبوتات على محاكاة الأداء البشري في العالم الواقعي.
نقل الخبرة البشرية إلى الآلة
في مدينة بنغالورو الهندية، يستثمر محمد أشيم، وهو حلاق محترف، جزءاً من وقته يومياً في تسجيل حركات يديه وأصابعه أثناء قص الشعر وتهذيب اللحى عبر كاميرا مثبتة على رأسه. لا يهدف أشيم من هذا النشاط توثيق عمله فحسب، بل المساهمة في تزويد شركات التكنولوجيا ببيانات واقعية تفتقر إليها المحاكاة الحاسوبية التقليدية.
تعتمد هذه الصناعة الناشئة على رصد دقيق لحركة المفاصل، من الكتفين والمعصمين وصولاً إلى أصغر تفاصيل الأصابع، بالإضافة إلى قياس مقدار القوة المطلوبة للتعامل مع الأدوات المختلفة. وتعمل شركات متخصصة على جمع هذه المقاطع ومعالجتها، ومن ثم بيعها لمختبرات الذكاء الاصطناعي التي تسعى لبرمجة الروبوتات على أداء مهام منزلية ومهنية بدقة عالية دون إتلاف للأشياء.
توسع عالمي وتساؤلات حول المستقبل
لا تقتصر الظاهرة على الحلاقة، بل تمتد لتشمل مهارات الخياطة، والطهي، وأعمال التنظيف، لتشكل قاعدة بيانات ضخمة للمهام البشرية. وبحسب التقارير، فإن بعض الشركات تدفع مبالغ تتراوح بين 5 و10 دولارات مقابل تسجيل 8 إلى 10 ساعات من العمل، وتستند هذه الشركات إلى شبكات واسعة من جامعي البيانات تصل إلى 96 ألف شخص موزعين بين دول أميركا اللاتينية وجنوب شرق آسيا والهند.
ورغم أن هذه الصناعة تفتح أبواباً لدخل إضافي للكثير من العمال، إلا أنها تثير مخاوف جدية لدى الخبراء بشأن “المفارقة التنافسية”؛ حيث يساهم العمال بأيديهم في تدريب روبوتات قد تنتهي مستقبلاً بالحلول محلهم في وظائفهم التقليدية.
ويؤكد مراقبون أن على الهند، كمركز محوري لهذه الصناعة، ألا تكتفي بدور المزوّد للتسجيلات الخام، بل يجب عليها تطوير قدراتها في معالجة البيانات والتحقق من جودتها، ووضع أطر تنظيمية تضمن الاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي، وسط تساؤلات تفرض نفسها حول مستقبل الأمان الوظيفي في ظل هذا التداخل المتسارع بين العمل البشري والأتمتة.






