كشفت دراسة أنثروبولوجية حديثة عن ممارسات غامضة في العصر الحجري الحديث جنوبي إسبانيا، حيث أظهرت البقايا العظمية البشرية المكتشفة في عدد من الكهوف أدلة تشير إلى تعامل المجتمعات القديمة مع أجساد الموتى بطرق شملت التقطيع، وإزالة اللحوم، وربما استهلاكها، وذلك خلال الفترة ما بين 5300 و3760 قبل الميلاد.
بدأ هذا المسار البحثي عام 1972، عندما شرع عالم الأنثروبولوجيا ميغيل بوتييا في فحص كهف “لاس ماخوليكاس”، حيث اكتشف أكواماً من العظام البشرية. ومن خلال مقارنة هذه البقايا مع مكتشفات أخرى في كهفي “مالامويرسو” و”كاريغيلا”، تمكن الفريق البحثي من تحليل 967 قطعة عظمية تعود إلى 60 شخصاً على الأقل، مما كشف عن نمط متكرر في التعامل مع الموتى عبر أجيال متعاقبة.
ممارسات تتجاوز الاستهلاك الغذائي
في كهف “مالامويرسو”، رصد الباحثون آثاراً لأدوات استخدمت في تقطيع الأجساد وفصل اللحم، مع وجود علامات للغلي والتحطيم لاستخراج النخاع العظمي، بل وظهرت على عظام بعض الأطفال آثار يعتقد أنها ناتجة عن “المضغ البشري”. ولم تقتصر هذه الممارسات على استهلاك اللحوم، حيث كشف كهف “كاريغيلا” عن تحويل عظام البشر إلى أدوات وظيفية، مثل مثاقيب وأزاميل مصنوعة من عظام الفخذ، واستخدام الجماجم لصناعة أوعية تشبه الأكواب.
ويرجح الباحثون أن أكل لحوم البشر في تلك المجتمعات لم يكن نشاطاً غذائياً أساسياً، نظراً لاعتمادهم على الزراعة ورعي الماشية، بل يرجحون أن ذلك كان جزءاً من ممارسات جنائزية. ويستند هذا التفسير إلى تقارب أعداد الذكور والإناث والبالغين والأطفال المكتشفين، ووجود بقاياهم بجوار بقايا حيوانات عولجت بالطريقة نفسها، مما يشير إلى نمط مجتمعي عام.
ورغم أن الفريق لا يجزم بالدوافع، إلا أن بوتييا لا يستبعد أن يكون تناول لحوم الأقارب أو الأصدقاء ممارسة رمزية تهدف إلى إبقاء الموتى جزءاً من حياة الأحياء. وفي المقابل، لا يمكن استبعاد احتمالية وقوع أعمال عنف في بعض الحالات، حيث أظهرت إصابات في بقايا شخصين احتمال تعرضهما لضربات بأدوات غير حادة.
وتعزز هذه النتائج، التي تشمل أدلة من أكثر من 12 كهفاً في المنطقة، فرضية انتشار هذه الطقوس على نطاق واسع خلال العصر الحجري الحديث، مما يفتح أفقاً جديداً لفهم طقوس التعامل مع الموت لدى الشعوب القديمة.




