تواجه دول شرق وجنوب شرق آسيا سلسلة من العواصف والأعاصير المدمرة، في ظل ظاهرة “النينيو” المناخية التي أدت إلى ارتفاع قياسي في درجات حرارة مياه المحيط الهادئ، واصفة إياها بأنها أصبحت “تحترق من الحمى”.

“حمى” المحيط الهادئ تعزز قوة العواصف

تشير تقديرات “طاقة الأعاصير المتراكمة” (ACE) -وهو مقياس لكثافة العواصف خلال الموسم- إلى أن المحيط الهادئ يفيض بطاقة إعصارية هائلة، حيث من المتوقع أن تقترب هذه القراءات في منطقة شرق وجنوب شرق آسيا من ضعف المعدل المسجل خلال الثلاثين عاماً الماضية.

تؤدي ظاهرة “النينيو”، التي تحدث كل سنتين إلى سبع سنوات وتستمر لنحو عام، إلى تغيير أنماط الرياح، مما يدفع الأعاصير للتشكل في مناطق شرقية أبعد من المعتاد، وتزداد شدتها نظراً لبقائها فوق المياه الدافئة لفترات أطول. وبحسب “مكتب الأرصاد الجوية في المملكة المتحدة”، يُتوقع أن يستمر “النينيو” لهذا العام، الذي يُعد الأقوى في الذاكرة الحية، حتى شهري فبراير أو مارس المقبلين.

وفي هذا السياق، صرحت “آنا ليزا سوليس”، رئيسة قسم علم المناخ في مكتب الطقس الوطني بالفلبين، في مؤتمر صحفي بمانيلا في سبتمبر الماضي، بأن المحيط الهادئ يشبه شخصاً “يحترق من الحمى” وقد يدخل في “تشنجات” قريباً.

كما حذرت وكالة المناخ الصينية من استمرار ارتفاع درجات حرارة سطح البحر خلال الأشهر الثلاثة المقبلة نتيجة لهذه الظاهرة، في وقت سجلت فيه درجات حرارة سطح المياه في المنطقة الاستوائية من المحيط الهادئ (التي تراقبها وكالة الأرصاد الجوية اليابانية لتوقعات النينيو) ارتفاعاً بلغ 4 درجات مئوية فوق المعدل الطبيعي، وهو أعلى مستوى منذ بدء السجلات عام 1949، متجاوزة الرقم القياسي السابق المسجل في ديسمبر 1997 والذي بلغ 3.6 درجة مئوية.

نتائج محاكات مناخية “مخيفة”

بهدف فهم كيف يمكن لارتفاع درجات الحرارة أن يضاعف المخاطر، أجرت عالمة المناخ رافائيلا جين دلفينو، المقيمة في مانيلا، وزملاؤها محاكاة لتأثيرات الظروف المناخية الأكثر دفئاً على العواصف الأخيرة في الفلبين، بما في ذلك إعصار “هاييان” (يولاندا) عام 2013 الذي تسبب في مقتل أكثر من 6000 شخص.

وخلصت دلفينو إلى ما وصفته بـ “نتائج مخيفة جداً”؛ حيث أدت درجات الحرارة المرتفعة إلى زيادة إجمالي هطول الأمطار المتراكم بنسبة 26%. ويمثل هذا الاحتمال خطراً مدمراً في بلد يعد الفيضانات الناتجة عن الأمطار الموسمية ونحو 20 عاصفة استوائية سنوياً من بين مخاطر الكوارث الرئيسية. وفي مقال لها على موقع جامعة الفلبين، أكدت دلفينو ضرورة أن يكتسب القادة والمسؤولون فهماً أفضل للمخاطر المناخية لضمان استعداد المجتمعات بشكل أفضل.

وفي السنوات الأخيرة، أدت الفيضانات إلى شلل مدن كاملة لأيام، وخرج الفلبينيون للاحتجاج ضد الفساد، معتبرين أنه يلتهم ملايين الدولارات المخصصة لمشاريع التحكم في الفيضانات.

تأثيرات ميدانية واستعدادات طارئة

شهدت المنطقة اضطرابات متتالية؛ ففي شهر أغسطس، أثار إعصار “تشان-هوم” حيرة مراقبي العواصف في اليابان بعبوره البلاد من الشرق إلى الغرب، بدلاً من مساره المعتاد من الجنوب إلى الشمال. ورغم نجاح السلطات اليابانية في إجلاء السكان بسرعة بفضل مواردها واستعداداتها الجيدة، إلا أن هذا الإجراء يعد أكثر صعوبة في دول مجاورة.

كما شهد شهر يونيو سباق إعصار “ميكخالا” والعاصفة الاستوائية الشديدة “هيغوس” نحو الساحل الشرقي لليابان في وقت واحد، مما أجبر مليون شخص على الإخلاء. وفي يوليو، اجتاحت العاصفة الاستوائية “نارا” الساحل الجنوبي للصين، مغرقة القرى ومسببة نزوح عشرات الآلاف.

وفي أغسطس، تسبب إعصار “دولفين” الممتاز، الذي تحرك عبر المحيط لمدة 16 يوماً، في فيضانات شديدة وعشرات الضحايا عند وصوله إلى شرق الصين. كما أدى إعصار “سوديل” في وقت لاحق من الشهر نفسه إلى هبوطه في ثلاث مدن صينية جنوبية شرقية خلال أسبوع واحد، مما تسبب في إغلاق شبكات النقل وإجلاء الآلاف.

وتأهباً لهذه التطورات، حثت اليابان مواطنيها على تخزين الغذاء والضروريات، وتأمين الأثاث الخارجي، بينما طلبت الصين من المسؤولين المحليين تحديد المناطق الضعيفة وتقوم بتطوير أنظمة الإنذار والمراقبة الخاصة بها. من جانبها، تستعد الفلبين وجيرانها في جنوب شرق آسيا لاضطرابات في الإنتاج الغذائي، خاصة الأرز، مع زيادة الدعم للمزارعين، بما في ذلك توفير الأسمدة.

وبالرغم من ذلك، تظل التوقعات طويلة الأمد غير واضحة؛ حيث صرح برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في آسيا والمحيط الهادئ مؤخراً بأن النافذة المتاحة أمام الحكومات للعمل بشأن “النينيو” بدأت “تغلق”، مؤكداً أن شدة تأثر أي مجتمع بهذه الظاهرة تُقرر قبل سنوات، من خلال مكان بناء الطرق والمستوطنات، وطرق إدارة المياه، ومستوى الحماية الاجتماعية، وقدرة الميزانيات العامة على امتصاص الصدمات.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version