مع حلول فصل الشتاء، عادت أزمة التلوث الهوائي الخانق لتخيم على العاصمة الهندية دلهي، مما يثير تساؤلات جدية حول مدى استعداد السلطات لمواجهة هذا التحدي البيئي المتكرر الذي يهدد حياة ملايين السكان.
قصور الحلول الحالية
يرى مانوج كومار، المحلل في “مركز أبحاث الطاقة والهواء النظيف” (CREA)، أن التعامل مع الأزمة يتطلب استراتيجية شاملة تتجاوز الإجراءات التقليدية مثل تقييد حركة المركبات أو وقف أعمال البناء وحرق بقايا المحاصيل. ويؤكد كومار ضرورة وضع أهداف محددة لخفض الانبعاثات لكل قطاع على حدة، بما في ذلك قطاعات توليد الطاقة والصناعة والنقل، مع جدولة زمنية تمتد لخمس سنوات بناءً على بيانات دقيقة حول مساهمة كل قطاع وولاية في حجم التلوث.
من جانبه، يشير بوسو إلى تجاهل العديد من العوامل المؤثرة، منها “الملوثات الثانوية” التي تنتج عن تفاعل غازات الهواء مع ضوء الشمس وبخار الماء. كما يؤكد أن مصادر التلوث لا تقتصر على عوادم السيارات أو الكتلة الحيوية، بل تشمل أيضاً الغبار المتطاير، والفحم، والرماد المتطاير، ومواد حرق أفران الطوب، والحرق واسع النطاق للنفايات الحضرية، وهي أنشطة لا تزال قائمة دون رادع حقيقي.
تحدي الحدود الإقليمية
يوضح بوسو أن دلهي لا تعاني فقط من انبعاثاتها الذاتية، بل تستقبل ملوثات عابرة للحدود قادمة من الولايات المجاورة وشمال الهند، مما يعني أن الجهود المحلية داخل دلهي لن تكون كافية بمفردها، وتستدعي تضافر الجهود بين كافة ولايات المنطقة الشمالية للتعامل مع الأزمة بشكل جماعي.
أزمة صحية مزمنة
تتجاوز معدلات التلوث في الشتاء الحدود الآمنة بشكل مخيف؛ إذ تسجل محطات الرصد الحكومية مؤشر جودة هواء (AQI) يتجاوز 300، وهو مستوى يُصنف بـ”السيء جداً”، بينما تصل القراءات في الأيام شديدة التلوث إلى 500. وتشير أجهزة الرصد الدولية، مثل “IQAir” السويسرية، إلى تسجيل قراءات تقترب من 1000 في بعض الأوقات، وهي مستويات تتجاوز بـ 25 ضعفاً الحد المسموح به لمنظمة الصحة العالمية لمتوسط التعرض لجسيمات (PM2.5) خلال 24 ساعة.
ويحذر الدكتور مانوج جويل، رئيس وحدة أمراض الرئة في “معهد فورتيس التذكاري للبحوث” قرب دلهي، من أن هذه الجسيمات الدقيقة تتغلغل في أعماق الرئتين وتنتقل عبر مجرى الدم لتسبب التهابات تؤثر على أعضاء الجسم الحيوية، مشيراً إلى أن التعرض قصير المدى يسبب تهيج الحلق والسعال وضيق التنفس، ويفاقم الأمراض القلبية والرئوية المزمنة.
وفي هذا السياق، كشف تقرير صادر عام 2025 عن “معهد سياسات الطاقة” بجامعة شيكاغو، أن تلوث الهواء قد يتسبب في تقليص متوسط العمر المتوقع لسكان دلهي بما يصل إلى 8.2 سنوات.




