تلوح في الأفق الاقتصادي العالمي بوادر أزمة غذائية قد تكون أكثر تعقيداً من أزمة الطاقة التي عانى منها العالم مؤخراً، حيث يواجه الأمن الغذائي الدولي “عاصفة مثالية” ناجمة عن تداخل ثلاثة عوامل حرجة: ارتفاع أسعار الديزل، شح إمدادات الأسمدة، وتداعيات ظاهرة “إل نينيو” المناخية. وتتضافر هذه المتغيرات لتهدد برفع تكاليف الإنتاج الزراعي وتفاقم الضغوط على سلاسل الإمداد العالمية.
الوقود والأسمدة.. ركائز الإنتاج تحت ضغط التكاليف
يعد الديزل شريان الحياة للقطاع الزراعي، إذ يعتمد عليه المزارعون في تشغيل الآليات وحراثة الأراضي ونقل المحاصيل. وقد أدى الارتفاع الحاد في أسعار الوقود، لا سيما الديزل، إلى زيادة باهظة في تكاليف التشغيل. فبين أواخر فبراير ومنتصف سبتمبر 2026، ارتفعت أسعار الديزل بنحو 38 بالمئة في الاتحاد الأوروبي، و66 بالمئة في الولايات المتحدة، و61 بالمئة في تركيا، و21 بالمئة في الصين.
وبالتوازي مع ذلك، يبرز التحدي في نقص الأسمدة الضرورية لرفع إنتاجية الأرض. وقد كشفت الاضطرابات في مضيق هرمز عن أهمية الخليج العربي كمركز محوري لهذه التجارة؛ فالمضيق لا يمر عبره النفط والغاز فحسب، بل نحو ثلث تجارة اليوريا المنقولة بحراً و45 بالمئة من شحنات الكبريت. وعلى الرغم من استقرار أسعار الأمونيا، إلا أن الكبريت واجه اختناقات توريد أدت لارتفاع سعره في سبتمبر 2026 بنسبة 70 بالمئة مقارنة بيناير من العام نفسه.
تأثيرات مناخية وتداعيات هيكلية
تشير تقديرات مؤسسة “S&P Global” إلى أن لجوء المزارعين لتقليص استخدام الأسمدة بنسبة 20 بالمئة لخفض التكاليف قد أدى بالفعل إلى تراجع المساحات المزروعة، مثل الذرة في أوروبا، وفول الصويا في البرازيل، والقمح في أستراليا. هذا التراجع يقترن بظاهرة “إل نينيو” التي يتوقع أن تكون الأقوى هذا العام، مما يهدد بحدوث فيضانات وجفاف غير مسبوقين.
يوضح الخبير وليد جبارة أن الخطورة تكمن في أن ضعف خصوبة التربة الناتج عن تقليص التسميد سيجعل المحاصيل أقل قدرة على مقاومة التغيرات المناخية، مما يعني أن أثر هذه الأزمة قد يمتد لعامين أو ثلاثة أعوام قادمة. ويؤكد دانييل يرجين، نائب رئيس مجلس إدارة “S&P Global”، أن أزمة الغذاء تختلف عن أزمة الطاقة في كون نتائجها تتكشف تدريجياً مع تعاقب الفصول بدلاً من ظهورها الفوري على الشاشات.
استراتيجيات المواجهة: حلول عاجلة وبعيدة المدى
يؤكد المحلل الاقتصادي رامي النجار أن العالم يقف أمام تحدٍ يستوجب تحركاً سريعاً، مشيراً إلى أن الدول الفقيرة هي الأكثر عرضة للتأثر نظراً لارتفاع حصة الغذاء في ميزانيات أسرها. ويدعو النجار الدول المستوردة للغذاء إلى تنويع مصادر الاستيراد وتعزيز المخزون الاستراتيجي فوراً.
أما على المدى البعيد، فيرى النجار ضرورة الانتقال إلى “التسميد الدقيق” لترشيد الاستهلاك، والتوسع في الطاقة الشمسية لتشغيل أنظمة الري، والاعتماد على الآليات الكهربائية لتقليل الارتباط بتقلبات أسعار الديزل. كما يشدد على أهمية بناء منظومة زراعية أكثر استقلالية عبر تعزيز الشراكات الإقليمية وتطوير آليات للاستيراد الجماعي، مما يقلل الاعتماد على مسارات التوريد المعرضة للاضطرابات الجيوسياسية والمناخية.






