أثارت الخطوة الأميركية برفض منح قائد الجيش السوداني، عبد الفتاح البرهان، تأشيرة دخول للمشاركة في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر الماضي، جدلاً واسعاً حول التزامات الدولة المضيفة للمنظمة الدولية وحدود الاعتراف بالشرعية السياسية للأنظمة العسكرية.

وفي هذا السياق، انتقد عمار محمود، ممثل سلطة بورتسودان، خلال مناقشات اللجنة السادسة المعنية بتقرير لجنة العلاقات مع البلد المضيف، القرار الأميركي، معتبراً إياه خرقاً لاتفاق مقر الأمم المتحدة لعام 1947 الذي يضمن حق ممثلي الدول الأعضاء في الوصول إلى مقر المنظمة في نيويورك.

أزمة الشرعية والانقلاب

يرى مراقبون أن القضية تتجاوز الإجراءات القنصلية، لتكشف عن فجوة عميقة بين التزامات واشنطن الدولية وبين رغبتها في عدم توفير منصة دولية تعزز وضع قائد عسكري أطاح بالسلطة الانتقالية. فمنذ انقلابه في 25 أكتوبر 2021 على الوثيقة الدستورية، يواجه البرهان تحدياً جوهرياً فيما يخص مشروعية تمثيله للسودان، خاصة بعد تفكيك الشراكة المدنية-العسكرية التي أعقبت ثورة ديسمبر، واعتقال مسؤولين مدنيين على رأسهم رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك.

وفي هذا الإطار، يرى الناشط السياسي فيصل محمد نور أن تحركات البرهان في المحافل الدولية تهدف إلى انتزاع شرعية لم يمنحه إياها الشعب السوداني، مشدداً على أن رفض واشنطن للتأشيرة يحمل دلالة سياسية وأخلاقية مفادها أن الانقلاب والحرب لا يمكن أن يمنحا صاحبهما حق تمثيل الدولة.

سجل الانتهاكات والعقوبات

لا يرتكز الموقف الأميركي على اعتبارات سياسية فحسب، بل يستند أيضاً إلى ملف حقوقي مثقل؛ حيث فرضت وزارة الخزانة الأميركية في يناير 2025 عقوبات على البرهان، متهمة قوات الجيش بالوقوف وراء هجمات مميتة استهدفت مدنيين وأعياناً محمية كالمستشفيات والمدارس، إلى جانب استخدام الغذاء كسلاح في الحرب وعرقلة المساعدات الإنسانية.

تتزامن هذه الاتهامات مع تقارير الخارجية الأميركية التي أشارت إلى ارتكاب أفراد في الجيش جرائم حرب، وهو ما دفع واشنطن للتعامل مع البرهان كطرف يهدد استقرار البلاد ويقوض المسار الديمقراطي بدلاً من كونه رئيساً محايداً.

بين اتفاق المقر والسيادة الوطنية

تثير هذه الواقعة تساؤلات قانونية معقدة؛ فبينما يتمسك فريق من القانونيين بنصوص “اتفاق المقر” التي تمنح المسؤولين حق الدخول دون عوائق، يجادل طرف آخر بأن للقانون الأميركي الحق في حماية الأمن القومي ومنع دخول من يُعدون خطراً على الأمن من الأراضي الأميركية، خارج نطاق مقر الأمم المتحدة.

من جانبه، يؤكد الحقوقي عادل السر أن الأولوية يجب أن تظل لحقوق الضحايا، مشيراً إلى أن القضية ليست في منع السودان من الحديث في الأمم المتحدة، بل في رفض تمكين قائد عسكري متهم بارتكاب فظائع من استخدام المنبر الدولي لتحسين صورته.

ويخلص المراقبون إلى أن الحصول على تأشيرة ليس صكاً للشرعية، مؤكدين أن السبيل الوحيد أمام البرهان ليكون ممثلاً معترفاً به للسودان يتطلب وقف الحرب، وفتح الممرات الإنسانية، والقبول بتحقيقات دولية مستقلة، وتسليم السلطة للمدنيين، بدلاً من التمسك بخيار الحسم العسكري الذي زاد من معاناة الشعب السوداني.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version