غيّب الموت الباحثة الأكاديمية البارزة جوليتا حيدر، رائدة تحليل الخطاب وسيميائيات الثقافة في المكسيك وأمريكا اللاتينية، عن عمر ناهز 81 عاماً، تاركة خلفها إرثاً معرفياً غنياً امتد لأكثر من خمسة عقود من البحث والتدريس الأكاديمي.
ولدت حيدر في ساو باولو بالبرازيل في 10 نوفمبر 1944، وهي ذات أصول عربية، لكنها اختارت المكسيك لتكون محطة لمسيرتها المهنية الطويلة، حيث ارتبط اسمها بشكل وثيق بالمدرسة الوطنية للأنثروبولوجيا والتاريخ، التي عملت فيها أستاذة وباحثة في الدراسات العليا، وساهمت في إعداد أجيال متعاقبة من الباحثين.
مشروع معرفي عابر للتخصصات
كرست حيدر مسيرتها لتطوير منهجيات معرفية متداخلة، إذ لعبت دوراً محورياً في إدخال أفكار عالم السيميائيات الروسي “يوري لوتمان” إلى الأوساط الأكاديمية المكسيكية منذ ثمانينيات القرن الماضي. وقد انتقلت في أبحاثها من تحليل الخطاب بوصفه بنية لغوية، إلى دراسته كممارسة اجتماعية وتاريخية تتشكل بفعل علاقات السلطة والأيديولوجيا.
وطورت الراحلة مفهوم “الماديات الخطابية” و”الممارسات السيميائية-الخطابية”، حيث لم تعد الثقافة بالنسبة لها مجرد سياق محيط، بل مجالاً حيوياً لإنتاج المعنى تتفاعل فيه الصور والرموز والممارسات الاجتماعية. كما وسعت أفق أبحاثها لتشمل نظريات التعقيد لفكر “إدغار موران” و”العبر-تخصصية” كما صاغها “باساراب نيكوليسكو”، سعياً منها لبناء معرفة قادرة على تجاوز الحدود التقليدية بين التخصصات الأكاديمية.
إرث علمي متجدد
تزخر مكتبة جوليتا حيدر بمؤلفات هامة، منها دراستها عن “الخطاب النقابي وعمليات التشيؤ”، وكتابها حول “مناظرة مجلس طلاب الجامعة وإدارة الجامعة”، وصولاً إلى أبحاثها الحديثة في عام 2024 التي ربطت فيها بين تحليل الخطاب وسيميائيات الثقافة من منظور التعقيد.
وفي مراحلها البحثية الأخيرة، عملت حيدر على الربط بين اتجاهات إبستمولوجية نقدية، مثل “إبستمولوجيا الجنوب” و”التفكيك الاستعماري”، مما عكس عمق رؤيتها ومساءلتها الدائمة لأسس إنتاج المعرفة. ومع رحيلها، يظل إرثها حاضراً في أبحاثها التي أحدثت نقلة نوعية في فهمنا لعمليات إنتاج المعنى داخل المجتمعات الإنسانية.






