كشف الكاتب الأسترالي بيتر فليمنج في كتابه الجديد “رأسمالية الشوجر دادي: الوجه المظلم للاقتصاد الحديث” عن تحول جذري في أساليب الهيمنة الاقتصادية المعاصرة، محذراً من تحول الرأسمالية إلى نظام استغلالي “خفي” يمحو الحدود بين الحياة الخاصة والعمل، ويسلب الأفراد استقلاليتهم تحت ستار المرونة والحرية الرقمية.
تحول مفاهيم النفوذ
يرى فليمنج أن النفوذ الذي كان يقترن سابقاً بالمكاتب الفارهة والبدلات الرسمية والهياكل البيروقراطية الصارمة، قد اتخذ طابعاً أكثر مرونة وتغلغلاً في العصر الرقمي. فقد انتقلت أدوات السيطرة إلى الفضاء الافتراضي، حيث تمارس “الترندات” ومقاطع الفيديو على منصات التواصل الاجتماعي تأثيراً يتلاعب بالعواطف والمظاهر، مشكلاً بذلك أدوات نفوذ حديثة لا تقل حدة عن أساليب الماضي.
العمل عن بُعد.. فخ الهيمنة
يؤكد الكاتب أن جائحة كورونا سرعت من وتيرة “العمل عن بُعد”، الذي صُور كحل مرن للإنتاجية، لكنه في الواقع تحول إلى وسيلة لإعادة صياغة الهيمنة الطبقية. فمع اقتحام العمل لمساحات المنزل والحياة الحميمية، أصبح العامل متاحاً للرقابة والتحكم على مدار الساعة، مما خلق “جيشاً احتياطياً” رقمياً من العمال الذين يقاس ولاؤهم بالنقرات، وهو ما وصفه فليمنج بـ “الاستعباد الخفي” الذي يستنزف الوقت والجهد في قلب المنظومة الاقتصادية.
استعارة “الشوجر دادي”
يستخدم فليمنج مصطلح “رأسمالية الشوجر دادي” كاستعارة أخلاقية لوصف العلاقة غير المتكافئة بين الاقتصاد الحديث والعمال؛ حيث يُمنح الفرد دعماً مالياً محدوداً أو مرونة ظاهرية، مقابل تكريسه لنظام هش يفتقر للأمان الوظيفي ويزيد من حدة التفاوت الطبقي. ويشير الكتاب إلى أن الاقتصاد الرقمي، كـ”اقتصاد الأوبر”، قد استبدل العقود المهنية الراسخة بترتيبات عمل مؤقتة تزيد من تبعية الفرد للسوق.
نحو مواجهة الاستغلال
ينتقد الكتاب النموذج الاقتصادي القائم على الاستهلاك المفرط وتفكيك الضوابط التشريعية، محملاً إياه مسؤولية تدهور البيئة واستنزاف الموارد. وللخروج من هذه الدائرة، يطرح فليمنج حزمة من المقترحات الإصلاحية، أبرزها تبني نظام “الدخل الأساسي الشامل”، وإلغاء عقود العمل المؤقتة، وإعادة ضبط المجال العام لتقليل الاعتماد المفرط على العمل كمصدر وحيد للأمان الاقتصادي، سعياً لاستعادة التوازن بين الفرد والمنظومة المؤسسية.






