يواجه لبنان انقساماً سياسياً حاداً حول طبيعة علاقاته الخارجية ودور “حزب الله” في المعادلة الوطنية، في ظل تأكيدات رسمية بضرورة حصر القرار السيادي بمؤسسات الدولة، والعمل على إنهاء حالة العداء مع إسرائيل وتطبيق اتفاق الإطار. وقد أثار هذا الملف جدلاً واسعاً حول جدوى الحوار مع إيران مقابل التمسك بمبدأ السيادة.
إيران: بين خيار الانفتاح وضرورة القطيعة
تتضارب الرؤى حول كيفية التعامل مع طهران؛ فبينما يدعو الباحث السياسي مهدي عقيل إلى انتهاج سياسة خارجية قائمة على الحوار وإدارة الخلاف بدلاً من الصدام، يرى أن مصلحة لبنان تقتضي الاستفادة من كافة القنوات الإقليمية والدولية، معتبراً أن عداء إيران يتناقض مع المساعي الرامية لإنهاء حالة العداء مع إسرائيل.
في المقابل، يتبنى الباحث السياسي شارل جبور مقاربة تعتمد على “المعاملة بالمثل”، مشدداً على أن الدبلوماسية لا تنفصل عن المبادئ الأخلاقية. ويرى جبور أن دعم إيران المستمر لمجموعات مسلحة داخل الأراضي اللبنانية يبرر المطالبة بقطع العلاقات معها، مؤكداً أن لبنان لا يمكنه القبول بخرق سيادته عبر دعم قوى خارجية لأطراف داخلية.
حزب الله: صراع الهوية والقرار
تتباين المواقف أيضاً حول موقع “حزب الله”؛ إذ يدافع عقيل عن وجود الحزب بوصفه مكوناً لبنانياً نابعاً من ضرورات الميدان وحماية الجنوب، مستدلاً بالنتائج الانتخابية وتاريخه في الصراع مع إسرائيل. ويرى أن الحزب يشكل عنصر قوة يمنع انكشاف البلاد، مشدداً على أن مواجهة التحديات الراهنة تتطلب مزيجاً من العمل الدبلوماسي والميداني.
وعلى النقيض، يصف جبور الحزب بأنه “ميليشيا” ترتبط بالمشروع الإيراني وتعمل كأداة لطهران، معتبراً أن دخوله المواجهة في 8 أكتوبر كان خطأ استراتيجياً فادحاً أدى إلى دمار واسع وتهجير مئات الآلاف من اللبنانيين، داعياً في هذا السياق إلى ضرورة تسليم السلاح للدولة لإنهاء هذا الواقع.
مأزق الردع ومستقبل السيادة
يحتدم النقاش حول جدوى “توازن الردع”؛ إذ يشكك جبور في فاعليته، مشيراً إلى أن إسرائيل استطاعت الإطاحة بهذا التوازن، كما أثبتت تجارب إسناد غزة وطهران خللاً في ميزان القوى العسكرية. وبناءً عليه، يرى أن استمرار الوضع الراهن يعني بقاء التهديدات والوجود الإسرائيلي في العمق اللبناني.
في حين يتساءل عقيل عن البديل المتاح في ظل تعثر الحلول الدبلوماسية وانكشاف لبنان أمام العمليات العسكرية، ليظل المشهد اللبناني أسير معادلة معقدة؛ فبينما تتعالى الأصوات المطالبة بحصر السلاح بيد الدولة، يبرز التخوف من أن يؤدي التخلي عن أوراق القوة دون ضمانات حقيقية لوقف الاعتداءات إلى ترك البلاد في حالة من العجز التام.






