عادت قضية “الأسلحة الكيميائية” لتتصدر المشهد في السودان، وذلك عقب تحقيقات صحفية دولية كشفت عن وثائق استخباراتية تشير إلى وجود برنامج مزعوم لتطوير ذخائر قائمة على مادة “الكلور” خلال عام 2024، في وقت تتصاعد فيه الدعوات الأممية لتوسيع نطاق حظر السلاح ليشمل كامل الأراضي السودانية.
واستندت التحقيقات التي نشرتها “نيويورك تايمز” و”واشنطن بوست” إلى حزمة ضخمة من الأدلة تضم نحو 150 وثيقة، وصوراً، وتسجيلات صوتية ومقاطع فيديو، بالإضافة إلى آلاف الرسائل المستخرجة من هواتف ضباط في الجيش السوداني. وتكشف هذه المواد عن مخططات لتصنيع قنابل، ومعلومات تتعلق باختبارات ميدانية، ومساعٍ حثيثة لطمس آثار هذا البرنامج. كما أشار التقرير إلى أن قائد الجيش، عبد الفتاح البرهان، كان على علم بهذا المشروع، وهي مزاعم سبق للجيش السوداني أن نفى صحتها جملة وتفصيلاً.
مطالبات بفتح تحقيق دولي مستقل
تثير هذه المعطيات مطالبات حقوقية بضرورة التدخل الدولي لكشف الحقائق. وفي هذا السياق، أكدت المحامية المدافعة عن حقوق الإنسان، رحاب مبارك، أن التحقيقات المنشورة تتسق مع الأدلة الميدانية التي جُمعت سابقاً، بما في ذلك شهادات المواطنين والمقاطع المصورة ورصد “سحب صفراء” في مناطق النزاع. وشددت مبارك على أن نفي السلطات لهذه الاتهامات واعتبارها مسيسة لا يعفي من المسؤولية، مؤكدة أن السبيل الوحيد هو إجراء تحقيق دولي مستقل ومحايد.
من جهته، رأى مدير مركز السودان للمعرفة، عبد الباقي جبريل، أن هذه الاتهامات بالغة الخطورة، وتستدعي تشكيل جهة دولية مختصة ومفوضة تمتلك الخبرة اللازمة للتحقق من هذه المزاعم وإعلان نتائجها بشفافية. وانتقد جبريل أداء اللجنة الوطنية التي شكلها البرهان للتحقيق في هذه الانتهاكات، معتبراً أنها تفتقر إلى المهنية والاختصاص في توثيق ما يجري على الأرض.
ملف حظر السلاح ومخاطر الطائرات المسيرة
يأتي هذا الجدل بالتزامن مع توصيات بعثة الأمم المتحدة المستقلة لتقصي الحقائق بشأن السودان، والتي دعت إلى توسيع حظر توريد السلاح المفروض على دارفور ليشمل كافة أنحاء البلاد. ويرى خبراء أن هذه الخطوة تعد ضرورية لوقف النزيف البشري، خاصة في ظل استمرار تدفق الأسلحة وتغذيتها للقتال في دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق.
وأشار جبريل إلى أن تقرير البعثة الأممية يسلط الضوء على الدعم الخارجي المتبادل لطرفي الحرب، مما قد يفتح الباب أمام “معركة دبلوماسية” داخل مجلس حقوق الإنسان. كما حذر من التوسع الخطير في استخدام الطائرات المسيّرة، التي باتت تستهدف مناطق مدنية ومنشآت طبية بعيداً عن خطوط التماس التقليدية.
وفي ظل تضارب الروايات الرسمية والميدانية، يظل إجراء تحقيق دولي شامل هو العامل الفاصل لتحديد المسؤوليات، ووضع حد لانتهاكات حقوق الإنسان وحماية المدنيين الذين يواجهون مخاطر متزايدة جراء هذا الصراع المستمر.






