في وقت يشهد فيه العالم تحولات جوهرية في موازين القوى الاقتصادية، يبرز كتاب «إفريقيا وكيف تعمل» للكاتب جو ستودويل، كقراءة نقدية معمقة لمستقبل القارة السمراء، مؤكداً أن مفتاح التنمية يكمن في فاعلية السياسات الوطنية والدور المركزي للدولة في توجيه القطاعات الإنتاجية، بعيداً عن الاعتماد المطلق على نظريات تحرير السوق التقليدية.
يستعرض الكتاب، الصادر عن دار «أتلانتيك مانثلي برس» في 416 صفحة، تجارب تنموية ناجحة في إفريقيا، مشيراً إلى أن الدول التي حققت طفرات اقتصادية هي تلك التي تبنت سياسات مشابهة لنهج «النمور الآسيوية»، حيث قامت الحكومات بدور المحرك الأساسي للاقتصاد عبر توجيه الاستثمارات، وضبط حركة رؤوس الأموال، وبناء قاعدة إنتاجية صلبة بدأت من قطاع الزراعة وانتقلت نحو الصناعة.
الدولة كفاعل رئيسي في التنمية
ويرى ستودويل أن نجاح النماذج التنموية، كما في رواندا وإثيوبيا، يعود إلى الإرادة السياسية التي جعلت من الدولة مديراً للموارد لا مجرد جهاز إداري. فمن خلال دعم صغار المزارعين وتطوير البنية التحتية وتوجيه التمويل نحو القطاعات الإنتاجية، خلقت هذه الدول طلباً محلياً قوياً وضع الأسس لمراحل صناعية أكثر تقدماً.
ويشير المؤلف إلى أن هذه العملية تتجاوز الجانب التقني لتصبح صراعاً على توزيع القوة داخل المجتمع، حيث يتطلب النجاح استمرارية في السياسات وقدرة عالية على التنفيذ تضع القيادة السياسية في قلب معادلة التغيير الاقتصادي.
إفريقيا في قلب التنافس العالمي
يتناول الكتاب إفريقيا كساحة لصراع أوسع حول طبيعة الاقتصاد العالمي، منتقداً الركون إلى تحرير الأسواق كحل وحيد. كما يقدم رؤية مغايرة للنمو السكاني، معتبراً إياه فرصة استراتيجية لتعزيز القوة الإنتاجية وتحويل الكتلة البشرية إلى محرك فعلي للنمو في ظل التحولات الديموغرافية الدولية.
وفي ظل التنافس العالمي المتصاعد على الموارد والأسواق، يؤكد الكتاب أن السياسات الوطنية الواعية باتت تمثل خط الدفاع الأول لحماية المصالح الاقتصادية الإفريقية. فبحسب ستودويل، يكمن الفارق بين دول القارة في القدرة على صياغة سياسات تحولها من متفاعل مع النظام العالمي إلى شريك فاعل ومؤثر في إعادة صياغة ملامحه.






