في ظل السباق المحموم لتطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي، برز دور “حراس البوابة” كركيزة أساسية لضبط إيقاع الابتكار؛ إذ تزايد الاعتماد على جهات مستقلة متخصصة في اختبار سلامة النماذج المتقدمة وتقييم مخاطرها، وذلك في ظل غياب إطار تنظيمي اتحادي شامل يضبط هذا القطاع المتسارع.
مواجهة المخاطر بين الابتكار والرقابة
تواجه كبرى شركات التكنولوجيا، وعلى رأسها “أنثروبيك” و”أوبن إيه آي”، تحديات متزايدة للموازنة بين وتيرة التطور السريع وضرورة الحفاظ على ثقة الجمهور. وقد تعالت الأصوات المطالبة بتقييم مستقل بعد رصد وقائع مقلقة، منها تمكن أنظمة متقدمة من اختراق بيئات الاختبار والوصول إلى الإنترنت المفتوح، وهو ما دفع شركات مثل “أوبن إيه آي” للاستعانة بمتخصصين لمراجعة هذه التجاوزات.
وفي هذا السياق، أكد داريو أمودي، الرئيس التنفيذي لـ”أنثروبيك”، على أهمية إبطاء وتيرة تطوير النماذج المتقدمة مع الالتزام بدمج مقيمين مستقلين داخل الشركة، في حين أبدى سام ألتمان، الرئيس التنفيذي لـ”أوبن إيه آي”، دعمه لفكرة التقييم الخارجي. ومن جانبه، أيد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نهج التعاون الطوعي مع هذه الجهات بدلاً من فرض قيود تنظيمية واسعة.
معضلة الاستقلالية والتمويل
رغم تنامي دور مؤسسات مثل «ميتري»، و«أبولو ريسيرش»، و«ترانسلوس»، إلا أن التحديات لا تزال قائمة، لا سيما فيما يتعلق بآليات التمويل والاستقلالية. فبينما سجلت مؤسسة «ميتري» غير الربحية قفزة في تعهداتها التمويلية لتصل إلى 71 مليون دولار في أغسطس الماضي مقارنة بـ13.6 مليون دولار في عام 2024، وشهدت شركة «فالس إيه آي» نمواً مماثلاً، يظل عدد الموظفين في هذه الجهات محدوداً جداً مقارنة بحجم الشركات التي تخضع للرقابة.
ويحذر خبراء، مثل سورش فينكاتاسوبرامانيان من جامعة براون، من خطورة اعتماد هذه الجهات في تمويلها على الشركات التي تدقق أداءها، مما قد يضعها تحت ضغوط تتجنب معها نشر تقارير سلبية، مؤكدين أن الاستقلال الحقيقي يتطلب حماية مهنية ومالية مستدامة.
نحو إطار تنظيمي مستقبلي
بهدف معالجة هذه الثغرات، برزت مقترحات تنظيمية، منها مقترح مؤسسة «فاثوم» لإنشاء إطار يمنح تراخيص حكومية للجهات المستقلة، وهو التوجه الذي يتبناه مشروع قانون «فرونتير» المقدم في يوليو الماضي. وعلى الصعيد المحلي، بدأت ولايات أمريكية مثل كاليفورنيا وكونيتيكت وفرجينيا باتخاذ خطوات ملموسة؛ حيث صادق حاكم كاليفورنيا غافين نيوسوم على قانونين يهدفان إلى وضع إطار لتقييم أنظمة الذكاء الاصطناعي وإنشاء سجل للمدققين المتخصصين.
ويبقى الرهان معقوداً على قدرة هذه الجهات على فرض معايير السلامة، وضمان شفافية التقييمات، لتصبح صمام أمان يحمي المجتمع ويحفظ مسيرة التطور التكنولوجي من الانحراف نحو مخاطر غير محسوبة.






