في ظل الأزمات الاقتصادية المتلاحقة في لبنان، وتآكل القدرة الشرائية للأسر، تحولت الدراجة النارية إلى خيار “مضطر” للكثير من الأهالي لنقل أطفالهم إلى المدارس لتوفير تكاليف النقل المدرسي الباهظة. هذا الحل الاقتصادي بات يشكل تهديداً خطيراً على حياة الصغار، في ظل غياب الرقابة المرورية وتدهور البنية التحتية للطرقات.
تتفاقم مخاطر هذه الظاهرة نتيجة تضافر عدة عوامل؛ منها غياب خوذات الحماية، وتكدس الأطفال فوق الدراجات بما يتجاوز طاقتها الاستيعابية، فضلاً عن قيادة مركبات من قبل أشخاص لا يملكون رخصاً قانونية، وسط واقع مروري تتصاعد فيه معدلات الحوادث والضحايا.
نزيف الطرقات: أرقام صادمة
تشير البيانات إلى أن حجم الخطر على الطرقات اللبنانية بلغ مستويات مقلقة؛ حيث سجلت المصادر الأمنية وفاة أكثر من 400 شخص في حوادث سير منذ مطلع عام 2026 وحتى سبتمبر، بينهم 30 ضحية سقطوا خلال شهري أغسطس وسبتمبر وحدهما. كما تظهر إحصاءات قوى الأمن الداخلي ارتفاعاً حاداً في الحوادث، إذ قفز عددها من 1991 حادثاً في 2024 إلى 2680 حادثاً في 2025، مع زيادة مماثلة في أعداد القتلى والجرحى.
وخلال الأشهر الأربعة الأولى من العام الجاري، حصدت الطرقات 142 قتيلاً و1052 جريحاً جراء 962 حادث سير. وتؤكد البيانات المتاحة أن راكبي الدراجات النارية يمثلون نحو 36 في المئة من إجمالي ضحايا حوادث السير في البلاد.
فوضى منظمة أم ضريبة اقتصادية؟
يوضح الباحث في “الدولية للمعلومات”، محمد شمس الدين، أن لبنان يضم ما يقرب من 774 ألف دراجة نارية، منها نحو 400 ألف دراجة غير مسجلة قانوناً. ويرى شمس الدين أن حالة الفوضى لا تقتصر على الأزمة الاقتصادية، بل تتعداها إلى وجود جهات مستفيدة من استمرار الوضع القائم، بدءاً من المستوردين وصولاً إلى تقصير الجهات المعنية في ضبط المخالفات، مما يجعل المواطن هو الضحية الأولى لهذا الواقع.
من جانبه، حذر سمير سنو، المتخصص في السلامة المرورية والمنسق في “اليازا الدولية”، من الاستهانة بالمخاطر، مستنداً إلى المادة 282 من قانون السير رقم 243 التي تحظر ركوب الأطفال دون العاشرة للدراجات النارية. وأكد سنو أن تبرير المخاطرة بضعف القدرة المالية للأهالي لا يلغي مسؤوليتهم القانونية والإنسانية، داعياً إلى البحث عن بدائل أكثر أماناً كالنقل المشترك.
بين مطرقة الفقر وسندان السلامة
يعكس الأهالي واقعاً معيشياً ضاغطاً؛ حيث يشير “هاني”، وهو أب لأربعة أطفال، إلى أن كلفة النقل المدرسي باتت تضاهي الأقساط التعليمية، مما يجعل الدراجة النارية خياراً قسرياً. وفي هذا السياق، تؤكد الباحثة في علم الاجتماع، روندا دعبول، أن المشكلة لا تكمن في خيارات الأهل الفردية فحسب، بل في غياب حلول نقل آمنة توفرها الدولة وتغيب الرقابة الرادعة للمخالفين.
ومع استمرار حالة التخبط، يظل التساؤل الملح يطارد المجتمع اللبناني: من يحمي الأطفال في رحلتهم اليومية إلى مقاعد الدراسة، في ظل دولة تعجز عن ضبط الفوضى وتأمين أبسط معايير السلامة على الطرقات؟






