خاصالوجبات السريعةيتراجع إقبال الأميركيين تدريجياً عن مطاعم الوجبات السريعة، في ظاهرة أصبحت مرآة تعكس وضع الاقتصاد الوطني. ما كان يوماً رمزاً للرفاهية السريعة والخيارات الرخيصة أصبح اليوم عرضة للضغوط الاقتصادية المتزايدة التي تثقل كاهل المستهلكين.في هذا السياق، ينقل تقرير لصحيفة “فايننشال تايمز” عن شركة أبحاث السوق “بلاك بوكس إنتليجنس” تقديراتها بأن 9 بالمئة فقط من علامات الوجبات السريعة سجلت نمواً إيجابياً في عدد الزيارات على أساس سنوي، مقارنةً بـ 27 بالمئة من علامات المطاعم بشكل عام. وهذه النسبة هي الأدنى بين جميع فئات المطاعم، بما في ذلك المطاعم الفاخرة والعادية.
تُعد سلاسل مطاعم الوجبات السريعة مثل وينديز وماكدونالدز وبرغر كينغ من بين أكثر الصادرات التجارية شهرة في أميركا، وقد أصبحت جزءاً لا يتجزأ من الطرق السريعة والمطارات والملاعب الرياضية حول العالم.
لكن نموذج أعمالهم، الذي يجمع بين انخفاض تكاليف التشغيل وتقديم كميات كبيرة من الوجبات الرخيصة، يواجه الآن صعوبات في سوقه المحلية.
أسعار الغذاء والطاقة والعمالة في ارتفاع، بينما يقلل المستهلكون بشكل متزايد من إنفاقهم الاندفاعي والاستهلاكي.
وفي يناير، كان المستهلكون الأميركيون أقل ثقةً بصحة الاقتصاد منذ 12 عاماً.
وبحسب التقرير، فربما لم يعانِ أحدٌ بقدر ما عانت سلسلة مطاعم وينديز، التي انخفض سعر سهمها بنسبة 48 بالمئة خلال العام الماضي. وصرح رئيسها التنفيذي المؤقت، كين كوك، للمحللين في نوفمبر بأن المبيعات “لا تزال تحت ضغط” وأن الشركة “تتخذ إجراءات عاجلة” لاستعادة النمو.
ويشير التقرير إل أن تزايد الإحجام عن الإنفاق بين فئة رئيسية من المستهلكين يضع ضغطاً على نموذج المطاعم الذي أعاد ابتكار طريقة تناول الأمريكيين للطعام في الخارج.
عوامل متداخلة
من جانبه، يقول رئيس قسم الأسواق العالمية في شركة Cedra Markets ، جو يرق ، لموقع “اقتصاد سكاي نيوز عربية:
تراجع قطاع الوجبات السريعة في الولايات المتحدة يعود إلى مجموعة من العوامل المتداخلة.
في مقدمة تلك العوامل التحول المتزايد في أنماط الاستهلاك، لا سيما لدى فئة الشباب، إذ يلاحظ توجه واضح نحو أسلوب حياة أكثر صحة، يشمل الإقبال على النوادي الرياضية واعتماد أنظمة غذائية صحية، وهو ما انعكس جزئياً على الطلب على الوجبات السريعة.
العامل الأبرز يبقى الضغوط التضخمية المستمرة في الاقتصاد الأميركي، إذ لا يزال التضخم عند مستويات عنيدة تؤثر بشكل مباشر على المستهلك الأميركي وقدرته الشرائية.
ارتفاع الأسعار شمل أيضاً قطاع الوجبات السريعة، ما دفع شريحة واسعة من المستهلكين، ومع ضعف الإنفاق وتراجع القدرة الشرائية، إلى تقليص الاعتماد على هذا النوع من الغذاء والاتجاه نحو بدائل أقل كلفة، أبرزها الطهي المنزلي.
ويوضح يرق أن هذا التراجع في الاستهلاك ينعكس سلباً على الشركات العاملة في القطاع، حيث يؤدي إلى انخفاض المبيعات، وتباطؤ خطط التوسع، وتراجع فرص خلق الوظائف، ما يشكل ضغطاً إضافياً على الاقتصاد. كما أن ضعف المبيعات ينعكس بدوره على أداء أسهم هذه الشركات وربحيتها، وهو تأثير قد يمتد على المدى المتوسط والطويل.
ويشير إلى أن الاستهلاك الفردي يُعد أحد المحركات الأساسية للاقتصاد الأميركي، وبالتالي فإن أي ضعف في إنفاق المستهلك الصغير قد يشكل مؤشراً مبكراً لاحتمال تباطؤ اقتصادي أو حتى أزمة اقتصادية مستقبلية، إذ يُنظر إلى هذا الضعف على أنه إشارة تحذيرية واضحة بشأن متانة الاقتصاد الأميركي.
ويتابع:
بيانات الاستهلاك الجيدة المسجلة حالياً في الولايات المتحدة تعود بشكل أساسي إلى إنفاق الأسر ذات الدخل المرتفع، في حين تبقى مساهمة شريحة واسعة من المستهلكين محدودة.
هذا يعني أن محرك الاستهلاك الفعلي يتركز لدى فئة ضيقة نسبياً، وهو أمر يثير القلق بشأن استدامة النمو.
ويختم جو يرق بالتأكيد على أن الاقتصاد الأميركي لا يقوم فقط على قطاع الذكاء الاصطناعي، بل يعتمد على مجموعة واسعة من المقومات الاقتصادية، ما يجعل متابعة تطورات الاستهلاك أمراً أساسياً لفهم الاتجاه المستقبلي للاقتصاد الأميركي.
المنافسة مع الصين
ويشير تقرير لـ “نيويورك تايمز” إلى المنافسة التي تواجهها مطاعم الوجبات السريعة الأميركية موضحاً أن العلامات التجارية الصينية للوجبات السريعة والمشروبات تتمتع بفرصة للتوسع في الولايات المتحدة والهروب من المنافسة الشرسة في الداخل.
ويضيف التقرير:
توسعت العديد من مطاعم الوجبات السريعة الصينية دولياً في السنوات الأخيرة، وخاصة في آسيا، لكن الولايات المتحدة، تتمتع بجاذبية كبيرة لأنها “السوق الوحيدة الناضجة والكبيرة مثل الصين”.
التوسع في الولايات المتحدة لا يخلو من التحديات. إذ يتعين على العلامات التجارية الصينية أن تسير على حبل جيوسياسي دقيق نظراً لمكانة الصين كمنافس اقتصادي – أو خصم – للولايات المتحدة.
بينما يُحتفى بتوسعها العالمي في الصين كدليل على تقدم البلاد وتطورها، يُنظر إليه أيضاً على أنه تهديد للشركات الأميركية المحلية.
تتجه سلاسل المطاعم والمقاهي الصينية إلى الولايات المتحدة في الوقت الذي تتراجع فيه العديد من العلامات التجارية الأميركية التي اقتحمت الصين قبل عقود.
تحول لافت
من جانبه، يقول خبير أسواق المال، محمد سعيد، لموقع “اقتصاد سكاي نيوز عربية”:
إن تراجع قطاع الوجبات السريعة في الولايات المتحدة لم يعد مجرد ظاهرة تجارية عابرة تخص شركات المطاعم، بل تحوّل إلى مؤشر اقتصادي دقيق يكشف عن اختلالات عميقة في بنية الاقتصاد الأميركي.
ما يجري حالياً يعكس بوضوح نموذج اقتصاد حرف K، حيث يواصل الأثرياء زيادة إنفاقهم بلا قيود، في مقابل تآكل مدخرات وقدرة الطبقات المتوسطة والفقيرة الشرائية.
البيانات تظهر أن نسبة ضعيفة من الأسر باتت مسؤولة عن نحو نصف الإنفاق الاستهلاكي، في حين اضطرت الشرائح الأوسع، التي كانت تعتمد على الوجبات السريعة كخيار يومي منخفض التكلفة، إلى تقليص زياراتها بنسب مزدوجة، أو الانسحاب من هذا النمط الاستهلاكي كلياً.
ويشير سعيد إلى أن المشكلة الجوهرية تكمن في فقدان قطاع الوجبات السريعة لميزته التنافسية الأساسية المتمثلة في “القيمة مقابل السعر”؛ نتيجة ارتفاع تكاليف العمالة والمواد الخام واضطرابات سلاسل الإمداد، ما دفع الشركات إلى رفع الأسعار بوتيرة تجاوزت قدرة المستهلك العادي. ويلفت إلى مفارقة لافتة، تتمثل في تسجيل بعض الشركات نمواً في المبيعات الاسمية، إلا أن هذا الارتفاع ناتج عن غلاء الفاتورة لا عن زيادة عدد الزبائن، إذ تُظهر بيانات حركة الفروع تراجعًا مستمرًا في عدد الزيارات الفعلية.
كما يضيف أن ضغوط الإيجارات والطاقة وتكاليف رعاية الأطفال جعلت المستهلكين “يعيدون حساباتهم بالورقة والقلم”، ليكتشفوا أن الوجبة السريعة التي كانت ملاذًا رخيصًا في أزمات سابقة تحولت اليوم إلى رفاهية يصعب تكرارها، ما دفعهم للبحث عن بدائل أقل تكلفة أو الاكتفاء بالعروض الترويجية المحدودة.
ويختتم سعيد بالقول:
إن ما يشهده قطاع الوجبات السريعة ليس سوى عرض لمرض اقتصادي أوسع، يتمثل في تضخم عنيد، وفجوة طبقية تتسع، ومخاوف حقيقية من ركود محتمل إذا استمر تراجع الاستهلاك.
هذا التراجع لا يعكس تغييراً في الأذواق أو توجهاً صحياً بقدر ما يمثل رسالة صامتة من المستهلكين بأن ميزانياتهم لم تعد تحتمل مزيدًا من الضغوط.





