خاصالذكاء الاصطناعي والوظائفلم يعد الطلب على المستشارين الإداريين يحتفظ بالزخم ذاته الذي كان عليه في السابق، إذ أعادت طفرة الذكاء الاصطناعي تشكيل قواعد اللعبة، وقلّصت من القيمة التقليدية للنصائح العامة التي طالما شكّلت جوهر هذا القطاع. وفي ظل هذا التحول، باتت هذه الفئة من المستشارين أمام ضغوط متزايدة لإعادة تعريف أدوارهم، عبر تطوير خبرات أكثر عمقاً وتخصصات دقيقة قادرة على مواكبة متطلبات المرحلة الجديدة.ورغم أن المستشارين الإداريين الذين يقدمون خدمات استراتيجية لمختلف أنواع الشركات، يمثلون شريحة محدودة ضمن منظومة الاستشارات الأوسع، إلا أن سوق الاستشارات الإدارية تتمتع بثقل اقتصادي كبير، إذ تُقدّر قيمتها بنحو 400 مليار دولار، حيث يحظى العاملون في هذا المجال بأجور مرتفعة.
تسريحات كبرى في قطاع الاستشارات
وبحسب تقرير أعده موقع “بزنس إنسايدر”، واطّلع عليه موقع “اقتصاد سكاي نيوز عربية”، فقد أعلنت عدة شركات كبرى صراحةً، عن استخدامها لبرامج الذكاء الاصطناعي، وقامت بالفعل بتسريح عشرات المستشارين الإداريين الذين تم توظيفهم خلال فترة جائحة كوفيد-19.
ولا يبدو أن هذا التحوّل قد بلغ نهايته بعد، إذ تشير التقديرات إلى أن الذكاء الاصطناعي قد يحلّ محل نحو 25 بالمئة إضافية من قوة العمل الاستشارية، مع ميل الشركات إلى الابتعاد عن المستشارين ذوي الخبرة العامة، وتركيزهم على المستشارين الذي يقدمون خدمات متخصصة.
أسوأ سوق عمل منذ 2008
ويُظهر تحليل أجرته شركة Revelio Labs المتخصصة في معلومات بيئة العمل، أن المستشارين الإداريين من ذوي الخبرة العامة، يواجهون أصعب سوق عمل في مجال تخصصهم منذ عام 2008.
في المقابل تُظهر تقديرات شركة “مانجمنت كونسلتد”، المتخصصة في أبحاث السوق وتقديم الاستشارات المهنية للمستشارين، أنه في حين تتراجع سوق الاستشاريين الإداريين، فإن سوق الاستشاريين المتخصصين تشهد نمواً، حيث ازدادات نسبة التوظيف في هذه السوق، بنسبة تتراوح بين 20 و35 بالمئة خلال السنوات الثلاث الماضية.
كما تتوقع “مانجمنت كونسلتد” أن يرتفع توظيف الاستشاريين المتخصصين بنسبة تصل إلى 60 بالمئة خلال السنوات الـ 5 المقبلة، بدفع رئيسي من الطلب على مهارات الذكاء الاصطناعي والبيانات والخبرات في قطاعات أخرى.
مستشارو التقنية يتصدرون
من جهة أخرى، توقع تقرير صادر عن Source Global نُشر في شهر فبراير 2026، أن تكون “استشارات الأمن السيبراني” أسرع القطاعات نمواً في سوق الاستشارات في الولايات المتحدة هذا العام، بنسبة 14 بالمئة، في حين أنه المتوقع أن تنمو الاستشارات المتعلقة بالموارد البشرية واستراتيجيات الأفراد بنسبة 2 بالمئة فقط هذا العام.
أزمة وجودية
ووفقاً لتقرير “بيزنس إنسايدر”، يقول توم رودنهاوزر، الشريك الإداري في شركة K2 للاستشارات والأبحاث، إن صعود الذكاء الاصطناعي أسهم في تقليص القيمة التقليدية لاستراتيجيات الأعمال، التي شكّلت لعقود الركيزة الأساسية لشركات الاستشارات الإدارية، لافتاً إلى أن القطاع يمر اليوم بما يشبه أزمة وجودية، تعيد فيها الشركات، تعريف مفهوم المستشار ودوره.
ويتوقع رودنهاوزر أن يتفوّق الطلب على الاستشاريين التقنيين خلال السنوات القليلة المقبلة، على الطلب على مستشاري الإدارة العامة، مشيراً إلى أن المرحلة المقبلة ستمنح الأفضلية لمن يُنظر إليه كخبير متخصص، يمتلك معرفة عميقة في مجال محدد، بغضّ النظر عن طبيعة هذا المجال.
ويرى رودنهاوزر أن كبار أن المؤسسات التي تقدم خدمات استشارية، قد لا تُصرّح علناً بأن هذا القطاع يشهد تحولاً جذرياً لا رجعة فيه، ولكنهم يدركون في قرارة أنفسهم أنه إذا استمرت الأمور في هذا الاتجاه، فمن المرجّح أن تشهد أعمالهم تقلّصاً.
الذكاء الاصطناعي يغيّر المعادلة
ويقول الخبير في التوظيف والموارد البشرية أحمد العبد الله، في حديث لموقع “اقتصاد سكاي نيوز عربية”، إن ما يشهده قطاع الاستشارات الإدارية اليوم لا يمكن وصفه بمجرد دورة تباطؤ عابرة، بل هو إعادة تشكيل عميقة لطبيعة الطلب على الخدمات الاستشارية نفسها، فلعقود طويلة اعتمدت الشركات على المستشارين الإداريين بوصفهم مصدراً للحلول الجاهزة والتحليلات العامة عالية القيمة، ولكن هذا النموذج كان يقوم أساساً على فجوة معلوماتية بين الشركات ومقدّمي الاستشارة، وهي فجوة بدأت تضيق بشكل حاد خلال السنوات الأخيرة.
ويضيف العبدالله، إن التحول الرقمي وتراكم البيانات، ومن ثم ظهور الذكاء الاصطناعي التوليدي، كلها عوامل غيّرت جذرياً طريقة اتخاذ القرارات داخل الشركات، إذ لم تعد هذه القرارات تعتمد على التحليل الخارجي أو التقديرات العامة كما في السابق، بل باتت تُبنى بشكل متزايد على برامج ذكية تفكر وتخطط وتحلل كميات ضخمة من البيانات في وقت قصير، لتتخذ من بعدها القرار الاستراتيجي الذي يناسب الشركة، مشيراً إلى أنّ هذا التحول أدى إلى تقليص الاعتماد على المستشارين التقليديين، الذين كانوا يشكلون حلقة وصل بين المعلومات والقرار، فالشركات أصبحت اليوم أكثر قدرة على إنتاج تحليلاتها بنفسها دون الحاجة لدفع رواتب مرتفعة لفرق استشارية كاملة.
سوق عمل جديدة تتشكل
ويشدد العبدالله على أن القيمة المضافة للمستشار التقليدي، لم تعد واضحة كما في السابق، ما يضع هذا النموذج المهني أمام اختبار حقيقي، ولكن ما يحدث لا يعني نهاية مهنة الاستشارات بمفهومها الواسع، بل نهاية مرحلة “المستشار العام”، معتبراً أن ظهور الذكاء الاصطناعي خلق أيضاً نوعاً جديداً من المستشارين يقوم على تقديم نصائح متخصصة للشركات، حول كيفية الاستفادة من هذه التكنولوجيا ودمجها في مجالات دقيقة داخل أعمالها، مثل تحسين الكفاءة التشغيلية، وتطوير نماذج العمل، ورفع جودة اتخاذ القرار، بما يجعل دور المستشار أكثر ارتباطاً بالتنفيذ العملي، بدل الاكتفاء بالتوصيات النظرية العامة.
ويعتبر العبدالله، أن التغيير الذي يحصل في سوق الاستشارات، دليل على أن تأثير الذكاء الاصطناعي لا يمكن اختزاله في فكرة إلغاء الوظائف، بل هو عملية إعادة تشكيل لسوق العمل، حيث يساهم في إنهاء بعض الأدوار التقليدية من جهة، ويفتح المجال من جهة أخرى، أمام ظهور وظائف جديدة، لم تكن موجودة من قبل، كما يخلق طلباً متزايداً على مهارات جديدة مرتبطة بالتكنولوجيا والتحليل والتكامل بين الأنظمة.
الرابح الأكبر
من جهتها، ترى خبيرة الاقتصاد الرقمي سامية ناصيف، في حديث لموقع “اقتصاد سكاي نيوز عربية”، أن النقاش حول تراجع بريق الاستشارات الإدارية، يجب ألا يُفهم بوصفه أفولاً للقطاع، بل انتقالاً في مركز الثقل من الاستشارات العامة، إلى الاستشارات المرتبطة بالقيمة التشغيلية المباشرة، فالشركات لم تعد مستعدة لدفع تكاليف مرتفعة، مقابل تقارير استراتيجية عامة، بل باتت تبحث عن نتائج قابلة للتنفيذ السريع ومرتبطة بمؤشرات أداء واضحة.
وتشرح ناصيف، أن هذا التحول مرتبط بتغير عميق في سلوك الشركات نفسها، إذ أصبحت أكثر نضجاً في إدارة بياناتها الداخلية عبر أنظمة الذكاء الاصطناعي الذي حوّل المعرفة الاستراتيجية من ميزة تنافسية نادرة إلى سلعة متاحة للجميع، مشيرةً إلى أن المستفيد الأكبر اليوم، هو المستشار الذي يمتلك معرفة عميقة في قطاعات مثل الأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي، وكل ما له علاقة بالتكنولوجيا.
تصفية تركة كوفيد-19
وبحسب ناصيف، فإن جزءاً من موجة تسريح المستشارين الإداريين الجارية حالياً، يعود إلى أن الشركات لجأت خلال فترة انتشار فيروس كوفيد-19 إلى توظيف أعداد كبيرة من هؤلاء، لمواجهة اضطرابات سلاسل التوريد ومتطلبات العمل عن بُعد، إلا أنه ومع استقرار الأوضاع وظهور بدائل رقمية أكثر كفاءة، أصبح جزء من هؤلاء المستشارين يشكّل فائضاً وظيفياً، ما دفع كبرى المؤسسات إلى تقليص أعدادهم بشكل مباشر، واصفاً ما يحدث اليوم بالانشطار الحاد في سوق العمل الاستشاري، فبينما يواجه المستشارون ذوو الخبرة العامة شتاءً وظيفياً، يعيش المتخصصون في المقابل مرحلة ازدهار متسارع.
الذكاء الاصطناعي والوظائف في العالم العربي
أخبار شائعة
- ترامب: أعداد هائلة من الناقلات تتجه إلى أميركا لشحن النفط
- النصر يبحث عن النقاط الثلاث في ضيافة الأخدود
- محادثات بين نائب الرئيس الأمريكي ورئيس وزراء باكستان
- بريطانيا تجمد صفقة تشاغوس تحت ضغط انتقادات ترامب
- حقيبة Dior Cigale.. حرفية الخياطة الراقية في تصميم عصري
- النشاطات المجتمعية تشحن لاعبي اليونايتد
- مصدر: أميركا وافقت على الإفراج عن أصول إيرانية في قطر
- الأيقونة أيلتون اشترى جائزته من ايباي





