هذه الصورة المركبة رسمها بدقة مدير المركز الأحوازي للإعلام والدراسات الاستراتيجية حسن راضي، خلال حديثه لسكاي نيوز عربية، كاشفا عن أبعاد الأزمة الإيرانية الداخلية وتشعباتها على المسار التفاوضي مع الولايات المتحدة.
رسائل مزدوجة في لحظة فارقة
لا يخفي راضي تقديره الواقعي لشخصية قاليباف، إذ يصفه بأنه “من التيار المعتدل إن صح التعبير”، مؤكدا أنه لا يرتبط ارتباطا وثيقا بالمتشددين، بل يسعى إلى أن يكون حلقة وصل بين الجناح المتشدد ومن يرغبون في المفاوضات وتجنب الحرب داخل المنظومة الإيرانية.
غير أن الرسالة الأعمق، وفق المحلل ذاته، ليست موجهة إلى الخارج بقدر ما هي موجهة إلى الداخل، وتحديدا إلى الحرس الثوري الذي — كما قال راضي حرفياً — “يكابر ويتحدث بلغة المنتصر ونبرة متعنتة”.
وقد حمل خطاب قاليباف رسالتين متوازيتين في آنٍ واحد:
- الأولى تُذكر الحرس بأن الولايات المتحدة وإسرائيل تمتلكان قوة أعلى وأقوى، وأن التصعيد سيكلف إيران ثمنا باهظا.
- الثانية ترضي الحرس باستحضار “انعدام الثقة الكامل” مع واشنطن، بما يُشير إلى أن المفاوضات الجارية لم تُفضِ إلى نتائج بسبب هذه الهوّة.
ويلفت راضي إلى أن الانتقادات المتصاعدة التي وجّهها الحرس الثوري إلى المفاوض الإيراني منذ محادثات إسطنبول، والتي طالت قاليباف بالاسم، جعلت هذه الرسائل المزدوجة ضرورة سياسية لا مجرد خيار تكتيكي.
المطالب الأميركية.. حدّ الاستسلام في نظر الحرس
يوضح راضي أن المطالب الأميركية باتت شبه معلومة في هذه المرحلة، وتتمحور حول محورين رئيسيين:
- أولهما إعادة مضيق هرمز إلى وضعه الدولي الذي كان قائما قبل الحرب، بحيث لا تتحكم فيه طهران ولا تفرض رسوما أو تهدد السفن.
- ثانيهما نقل اليورانيوم المخصب خارج الأراضي الإيرانية والوصول إلى تفاهم على صفر التخصيب.
وهذان المطلبان يمثلان في قاموس الحرس الثوري “استسلاما كاملا” وخضوعا للإرادة الأميركية، وهو ما يرفضه رفضا قاطعا.
ويذهب راضي أبعد من ذلك، مؤكدا أن المفاوضات لن تتوقف عند هذين البندين، بل ستتمدد لتشمل الصواريخ الباليستية والميليشيات الإقليمية وملفات أخرى، مما يجعل الفجوة بين المطالب الأميركية والإسرائيلية وبين ما يمكن أن يقبله الحرس الثوري فجوة هائلة لا يرجى ردمها في المدى القريب.
ويذهب راضي إلى حد بعيد في تقديره، إذ يستبعد أي انفراجة حقيقية دون ضربة عسكرية أميركية إضافية تضعف الحرس الثوري أكثر وتقلص نفوذ المعارضين لمسار التفاوض.
دولة بلا رأس.. ومفاوض بلا صلاحية
يكشف راضي عن معضلة بنيوية عميقة تعصف بمنظومة الحكم الإيرانية برمتها؛ فبعد غياب المرشد الأعلى وعلي لاريجاني وكبار المسؤولين العسكريين في الحرس الثوري، لا يوجد “رأس” واضح يمكن التواصل معه والتفاوض باسمه.
والحكومة التي تمثل الواجهة الرسمية ليس لها السلطة الفعلية، في حين أن الحرس الثوري يعمل بعيدا عن توجيهات الرئيس مسعود بزشكيان بل في اتجاه معاكس لها في أحيان كثيرة.
ويصف راضي الحالة الراهنة بصورة لافتة، إذ يقول حرفيا إن من يحكم إيران اليوم هو “نوع من الميليشيا، نوع من العصابة، ليس لها وجه ولا رأس، لا أحد يعرف أين هم ولا يستطيع التواصل معهم”.
هذا الواقع يجعل مسألة بناء الثقة مع الطرف الأميركي أمرا شبه مستحيل في المدى المنظور. ويضاف إلى ذلك أن قاليباف وحكومة بزشكيان، حتى حين يتجهان معا نحو التسوية، لا يمتلكان القرار، ولا يستطيعان إتمام أي اتفاق دون العودة إلى الحرس الثوري وانتزاع موافقته.
الرجل الثاني في الحرس.. يُحاول إقناع مؤسسته بالتراجع
هنا تتجلى المفارقة الأكثر إثارة في المشهد الإيراني برمته، وهي المفارقة التي أبرزها راضي بوصفها مفتاحاً لفهم هشاشة الموقف الراهن: فقاليباف ليس غريباً عن الحرس الثوري أو خصماً له من خارج المنظومة، بل هو — كما أكد راضي صراحة — “ثاني إرادة في الحرس الثوري”، أي الرجل الثاني في تراتبية هذه المؤسسة العسكرية النافذة.
ومع ذلك، فإن هذا الرجل بالذات هو من يجد نفسه اليوم في مواجهة مع المؤسسة التي صنعته، ساعياً إلى إقناعها بالتراجع عن مواقفها والقبول بمسار تفاوضي ترفضه رفضا قاطعا.
ويطرح راضي هذه المعادلة بكل ثقلها: كيف يستطيع قاليباف، بكل ما يحمله من رصيد داخل الحرس الثوري، أن يقنع هذه المؤسسة بأن المسار التفاوضي مع واشنطن هو “الأفضل، الذي يجني الربح ويتجنب الخسائر لإيران”؟.. وجوابه لا يُبشر بأفق مفتوح: “أعتقد أنه من الصعب جداً على قاليباف أن يستطيع إقناع الحرس الثوري الإيراني والتراجع”.
وهكذا يغدو قاليباف أسير مفارقة قاسية: ماضيه في الحرس الثوري لا يمنحه نفوذا كافيا لتغيير مساره، بل يجعل انحيازه للمفاوضات أشد وطأةً على المتشددين وأكثر استفزازا لهم.
قاليباف وبزشكيان.. تحالف محاصر
يرصد راضي تقاربا واضحا بين قاليباف وحكومة بزشكيان، إذ يسعيان معا إلى تشكيل فريق يضغط على الحرس الثوري لدفعه نحو القبول بمسار تفاوضي يجنب البلاد ويلات الحرب.
وهو يؤكد أن قاليباف “يقترب أكثر إلى حكومة مسعود بزشكيان ووزير خارجيته عراقجي”، لأن الجانبين يدركان أن الخاسر الأكبر في أي مواجهة ستكون إيران، وأن هذه الخسارة قد لا تتوقف عند سقوط النظام، بل تصل إلى حد “تفكك البلاد”، وهو ما أشار إليه بزشكيان نفسه صراحة.
غير أن ثمة عائقا جوهريا يقيد هذا التحالف ويحد من فاعليته؛ إذ يطرح راضي السؤال المصيري الذي يختزل جوهر الأزمة: هل يستطيع قاليباف أن يلين مواقف الحرس الثوري ويقنعه بجدوى مسار التسوية؟.. وجوابه حاسم لا يقبل التأويل: “أستبعد ذلك”.
ولعل أشد ما يعقد موقف قاليباف أن قبوله لدى الولايات المتحدة ذاته يجعله في خانة الشك لدى الحرس الثوري.
وفي هذا السياق، يستحضر راضي مصير الرئيس الأسبق حسن روحاني ووزير خارجيته جواد ظريف، اللذين وصفهما الحرس الثوري والتيار المتشدد بـ — كما قال راضي — “الطابور الخامس والخائن” لمجرد محاولتهما الاقتراب من واشنطن والابتعاد عن خطاب التصعيد. وهو مصير يظل شبحا حاضرا فوق رأس قاليباف في كل خطوة يخطوها نحو الاعتدال.
ويخلص راضي إلى أن قاليباف يجد نفسه أمام معادلة مستحيلة: لا يستطيع الابتعاد عن الحرس الثوري لأنه سيفقد دوره التفاوضي وربما منصبه، ولا يستطيع الاقتراب منهم كثيرا لأنه سيفقد قبوله لدى الطرف الأميركي وجدواه كمفاوض.
ويختم راضي تحليله بتشخيص جوهري لا يقبل المواربة: ما يجري من مرونة نسبية لدى بعض الأطراف الإيرانية ليس تحولا حقيقياً في العقيدة، بل هو “انحناء للعاصفة” التي أنتجتها الضربات العسكرية والخسائر الفادحة التي تكبدتها إيران، من تدمير بنيتها العسكرية إلى مقتل قياداتها.





