فبين تصريحات إيرانية تتحدث عن احتمالات الحرب، وتحركات أميركية تضغط اقتصاديا وعسكريا، تتسع مساحة الضبابية التي تحيط بمستقبل المواجهة ومآلاتها السياسية.
وفي هذا السياق، قدم الضابط السابق في وكالة الاستخبارات الأميركية، سكوت أولنغر، خلال حديثه إلى سكاي نيوز عربية، قراءة تحليلية للمشهد، ركز فيها على تأثير الحصار البحري الأميركي، وحدود الصبر الأميركي، وحسابات دول الخليج، إضافة إلى طبيعة التفاوض القائم مع طهران.
ضبابية التصريحات الإيرانية وتعقيد المشهد
يرى أولنغر أن أحد أبرز التحديات في فهم ما يجري داخل إيران يتمثل في صعوبة الفصل بين التصريحات الصادرة عن المسؤولين الإيرانيين ومراكز القوى المختلفة داخل النظام. فبحسب تقديره، لا تعكس التصريحات المتعددة صورة واضحة يمكن البناء عليها لفهم الاتجاه الحقيقي للموقف الإيراني.
وأشار إلى أن ما يصدر عن رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف، أو قادة الحرس الثوري، أو الشخصيات المدنية داخل النظام، يخلق حالة من التناقض والارتباك، خصوصا مع استمرار المفاوضات بالتوازي مع إطلاق تصريحات تصعيدية تتحدث عن احتمالات اندلاع الحرب في أي لحظة.
ويعتبر أولنغر أن هذه اللغة التصعيدية تعكس بصورة غير مباشرة فاعلية الحصار البحري الذي تفرضه الولايات المتحدة حول السواحل الإيرانية، موضحا أن آثار هذا الحصار بدأت تنعكس بوضوح على الخطاب الإيراني الرسمي، بما يشير إلى أن الضغوط الأميركية تحقق أهدافها في استنزاف القدرات الاقتصادية الإيرانية.
الحصار البحري.. ضغط اقتصادي وممر تفاوضي ضيق
وفي تقييمه لفاعلية الإجراءات الأميركية، يؤكد أولنجر أن الحصار البحري بات “فاعلا ومؤثرا وناجزا”، إلا أن نتائجه، وفق رأيه، لا تظهر بالسرعة التي قد ترغب بها واشنطن أو حلفاؤها.
ويشير إلى أن الاقتصاد الإيراني يتكبد خسائر كبيرة تقدر بآلاف الدولارات نتيجة استمرار الضغوط الاقتصادية، معتبرا أن استمرار الحصار قد يفاقم التأثيرات الاقتصادية بصورة أوسع خلال المرحلة المقبلة.
لكن، وبالتوازي مع الضغوط، يرى أولنغر أن هذا الوضع يفتح مجالا محدودا للحوار بين الولايات المتحدة وحلفائها بشأن مآلات الأزمة وكيفية إدارتها، خاصة في ظل تنامي المخاوف الأمنية الناتجة عن التصعيد الإيراني.
وعن انعكاسات أي مواجهة عسكرية جديدة بين واشنطن وطهران، يرى أولنجر أن الاقتصاد الأميركي قد يواجه ارتفاعا في الأسعار قد يصل إلى ما بين 4 و4.5 وربما 7 دولارات، في إشارة إلى التداعيات الاقتصادية المحتملة للحرب.
لكنه في المقابل يعتقد أن المجتمع الأميركي قد يكون قادرا على تحمل هذه التبعات الاقتصادية إذا كان الهدف منها حماية الحلفاء الإقليميين والحفاظ على علاقات الولايات المتحدة الاستراتيجية في المنطقة.
ويشير في هذا الإطار إلى أن الإدارة الأميركية تنظر إلى المسألة من زاوية الحفاظ على توازن التحالفات، حتى وإن ترتب على ذلك أعباء اقتصادية داخلية.
تشاؤم بشأن فرص الاتفاق مع طهران
وفي ما يتعلق بإمكان التوصل إلى اتفاق بين واشنطن وطهران، أبدى أولنغر قدرا واضحا من التشاؤم، معتبرا أن المطالب الإيرانية المطروحة تبدو، من وجهة نظره، صعبة التحقيق.
وأوضح أن إيران تسعى إلى الحصول على تنازلات واسعة، تشمل رفع العقوبات وربط أي اتفاق بملفات إقليمية مثل لبنان، إضافة إلى مطالب مرتبطة ببرنامجها النووي، وهي قضايا لا يعتقد أولنجر أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب سيكون مستعدا للاستجابة لها بسهولة.
كما أبدى تشكيكا عميقا في سلوك النظام الإيراني، معتبرا أن تاريخه السياسي يثير “الريبة والشكوك والمخاوف” بشأن نواياه الحقيقية في المنطقة، وهو ما ينعكس، وفق رأيه، على مستوى الثقة بإمكان نجاح أي تفاوض طويل الأمد.
باكستان ووساطة الوقت الضائع
وتوقف أولنغر عند التصريحات الباكستانية المتعلقة بإمكان تحقيق اختراق في الأزمة، معتبرا أن لإسلام آباد أجندتها الخاصة في هذا الملف.
ورغم إعرابه عن أمله في أن تكون التصريحات الباكستانية دقيقة، فإنه أشار إلى أن مثل هذه التصريحات تكررت سابقا، معتبرا أن إيران قد تكون تحاول كسب الوقت عبر إطالة أمد التفاوض مع إدارة ترامب.
وفي هذا السياق، يلفت إلى أن المشهد لا يزال مفتوحا على احتمالات متعددة، تبدأ من استمرار المفاوضات ولا تنتهي عند احتمال استئناف الحرب أو توسيع الحصار، مؤكدا أن مستقبل الأزمة يبقى مرتبطا بنتائج التفاوض وبمدى صبر الرئيس الأميركي تجاه السلوك الإيراني.
وفي قراءته لطبيعة العلاقة الأميركية الإسرائيلية، شدد أولنغر على أن الولايات المتحدة تمتلك رؤيتها ومصالحها الوطنية المستقلة، حتى مع اعتبار إسرائيل حليفا قويا ومؤثرا.
وأوضح أن أي قرار قد يتخذه الرئيس الأميركي بشأن المنطقة، بما في ذلك دول الخليج، سيكون محكوما بالمصالح الأميركية والمعايير الدبلوماسية التي تراها واشنطن مناسبة، وليس فقط بما يريده أو يتمناه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.
وبذلك، يخلص أولنغر إلى أن المشهد الإقليمي لا يزال رهينة توازن حساس بين الضغوط الاقتصادية، والتفاوض المتعثر، واحتمالات التصعيد العسكري، في وقت تبدو فيه جميع الأطراف متمسكة بخيارات مفتوحة يصعب التنبؤ بنهاياتها.




