وأعلن ماكرون أن فرنسا وبريطانيا باتتا مستعدتين لقيادة مهمة بحرية دولية لتأمين مضيق هرمز، مؤكدا أن حاملة الطائرات الفرنسية “شارل ديغول” يمكن أن تُنشر خلال يومين إلى 3 أيام من تأكيد الاتفاق بين واشنطن وطهران.
ويرى محللون عسكريون ومراقبون في حديثهم لموقع “سكاي نيوز عربية”، أن المهمة الأوروبية المرتقبة ستتركز في المقام الأول على حماية السفن التجارية وضمان حرية الملاحة وإزالة الألغام أو المخلفات العسكرية التي قد تعيق حركة العبور، بما يعزز الثقة ويشجع شركات الشحن والتأمين على استئناف نشاطها الطبيعي.
تحركات أوروبية
خلال الأشهر الماضية، شكلت التوترات العسكرية في المنطقة وإغلاق مضيق هرمز تهديدا مباشرا لحركة الملاحة البحرية، الأمر الذي دفع عددا من القوى الدولية إلى البحث عن ترتيبات تضمن استقرار الممر المائي بعد انتهاء العمليات العسكرية.
وقال ماكرون: “نحن مستعدون، فاعتبارا من الغد يمكننا نشر طائرات مقاتلة لتنفيذ مهام المراقبة، كما يمكن أن تكون هناك فرقاطة في المنطقة اعتبارا من الغد، ويمكن نشر حاملة الطائرات شارل ديغول، إلى جانب قدرات إزالة الألغام وكل ما يرتبط بها، خلال يومين أو ثلاثة أيام”، مضيفًا: “لقد أنشأنا مهمة بالتعاون مع البريطانيين، وهناك عدة دول مشاركة فيها، ونحن مستعدون للتحرك بسرعة كبيرة”.
وأفادت وكالة “بلومبرغ” بأن أي انتشار للقوات الأوروبية في مضيق هرمز سيظل مرهونا بالتوصل إلى اتفاق نهائي بين واشنطن وطهران، يضمن استعادة حرية الملاحة التجارية بشكل كامل ومن دون قيود، ويوفر في الوقت نفسه إطارا قانونيا وأمنيا يسمح للقوات الدولية بالعمل في الممر المائي الاستراتيجي.
وفي إطار الاستعدادات الجارية، بدأت عدة دول أوروبية تجهيز أصولها العسكرية تحسبا لإطلاق المهمة المرتقبة؛ إذ دفعت بريطانيا بسفينة الإمداد العسكرية “آر إف إيه لايم باي”، المزودة بأنظمة بحرية مسيرة متخصصة في كشف الألغام وإزالتها، لإجراء تدريبات في شرق البحر المتوسط استعدادا لأي عملية انتشار محتملة، كما وضعت فرنسا حاملة الطائرات “شارل ديغول” في حالة جاهزية متقدمة تمهيدا لإمكانية تحريكها نحو منطقة العمليات.
من جانبها، رفعت ألمانيا مستوى استعداد عدد من وحداتها البحرية التي تم نشرها في البحر المتوسط نهاية أبريل الماضي، حيث ظهرت كاسحة الألغام الألمانية “فولدا” كأحد الأصول المرشحة للانتشار السريع في مضيق هرمز فور إقرار الترتيبات الدولية اللازمة، مع إعلان إيطاليا استعدادها للمساهمة بقطع بحرية ضمن القوة متعددة الجنسيات المزمع تشكيلها لتأمين الملاحة في المضيق.
وسبق أن كشفت وثيقة اطلعت عليها “رويترز” أن الدائرة الدبلوماسية للاتحاد الأوروبي اقترحت أن تتولى مهمة “أسبيدس” البحرية التابعة للاتحاد دوراً رئيسياً في إزالة الألغام من مضيق هرمز “عندما تسمح الظروف بذلك”، وذلك في مساهمة أوروبية مضن المبادرة التي تقودها فرنسا وبريطانيا.
وفي حين حاول الرئيس الأميركي دونالد ترامب طمأنة الأسواق وشركات الشحن عبر التقليل من مخاطر الألغام البحرية الإيرانية، قائلاً إن القوات الأميركية “أزالت معظمها”، أكد وزير الخارجية ماركو روبيو أن أجزاء واسعة من هذا الممر المائي الحيوي قد زُرعت بالألغام.
ماذا يمكن أن تقدم أوروبا؟
ويرى المسؤول البارز السابق بحلف الناتو، نيكولاس ويليامز، إنه “يمكن للقوات الأوروبية أن تضطلع بشكل واقعي بدور دفاعي بحت ودور استقراري، يهدف إلى طمأنة حركة الملاحة التجارية بشأن سلامة المرور في مضيق هرمز”.
وقال “ويليامز” الذي خدم لعقود بوزارة الدفاع البريطانية، في تصريحات لـ”سكاي نيوز عربية”، إن هذه القوة الأوروبية غير الدائمة، بقيادة فرنسية–بريطانية، ستركز على عدد من المهام، على رأسها إزالة الألغام البحرية عبر القيام بعمليات تمشيط نشطة للمياه الضيقة والمليئة بالألغام لضمان مرور آمن، إضافة لمرافقة السفن التجارية عبر توفير قوافل بحرية دفاعية لحماية السفن التجارية من مضايقات الطائرات المسيّرة أو الزوارق السريعة.
كما ستدعم المهمة الأوروبية المراقبة الجوية والبحرية من خلال نشر طائرات استطلاع وسفن حربية لرصد التهديدات ورسم خريطة البيئة العملياتية، فضلًا عن تنظيم استئناف الحركة التجارية بشكل منظم من وإلى المضيق، وفق “ويليامز”.
وعن الصلاحيات والحدود العملياتية والقانونية لهذه المهمة الأوروبية، أشار المسؤول البارز السابق بحلف الناتو إلى أن “ولاية المهمة ستكون مقيدة بحدود دفاعية صارمة لتجنب الانخراط في صراعات إقليمية أوسع، ولن تمتلك القوات الأوروبية صلاحية التدخل إلا في حالات الدفاع عن النفس المباشر أو الدفاع الفوري عن السفن التجارية المرافقة”.
ولن يكون الأمر باليسير لتلك المهمة، حسبما قال “ويليامز”، إذ “قد تؤدي عوائق كبيرة إلى تقويض فاعلية الانتشار، وبشكل خاص، ستحتاج المهمة إلى التعاون مع إيران، التي قد تسعى إلى توجيه أو التأثير على سير العملية، وهو ما قد يثير استياء الولايات المتحدة، كما أن إيران ترفض تقليدياً الوجود العسكري الأجنبي”.
إضافة إلى ذلك، فإن عددا قليلًا من القوات البحرية الأوروبية يمتلك القدرات اللازمة لمواجهة التهديدات الإيرانية إذا حدثت، ما يعني أن “العبء التكتيكي الأكبر سيقع على عاتق فرنسا وبريطانيا”، وفق المسؤول السابق بالناتو، الذي لفت إلى أنه “في حال نشوب خلاف حول الانتشار أو استئناف الأعمال القتالية، تخشى الدول الأوروبية من أن تجد نفسها في مرمى اشتباك دبلوماسي وعسكري بين الولايات المتحدة وإيران”.
وأكد “ويليامز” أن “الدول الأوروبية لا تملك الإرادة السياسية الكافية للالتزام طويل الأمد، كما أنها تفتقر إلى موقف موحد، خاصة بعدما سبق أن رفض الاتحاد الأوروبي رسمياً توسيع عملية “أسبيدس” البحرية لتشمل المضيق، ما فرض الاعتماد على تحالفات تطوعية مؤقتة”، لافتا إلى أن “دولا رئيسية مثل ألمانيا تتطلب موافقات برلمانية صارمة قبل نشر أي قوات، مما يحد من سرعة التعزيزات، ورغم امتلاك أوروبا قدرات قوية في إزالة الألغام، فإن أساطيلها السطحية الأساسية مثقلة بالفعل بعمليات ممتدة في البحر المتوسط والبحر الأحمر”.
شروط أوروبية
من جانبه، رجح خبير شؤون الاتحاد الأوروبي بمجموعة الأزمات الدولية، ديلان ماكياريني كروسون، أن “يكون دور الدول الأوروبية، مثل فرنسا والمملكة المتحدة، في مضيق هرمز مشروطا أولًا بإثبات على أن وقف إطلاق النار سيصمد بشكل أكثر استدامة”.
وقال كروسون في حديث لموقع “سكاي نيوز عربية”، إن “الاجتماعات الجارية للتوصل إلى اتفاق أشمل ستستمر في تشكيل تفكير القادة الأوروبيين بشأن الدور الذي يمكن أن تضطلع به القوات الأوروبية في المضيق، وقد يشمل ذلك محتملًا المساعدة في دوريات المضيق ومراقبة وقف إطلاق النار، بالإضافة إلى أنشطة إزالة الألغام”.
لكن النطاق الكامل للعمليات في مضيق هرمز في رأي خبير شؤون الاتحاد الأوروبي، سيظل بحاجة إلى تحديد، سواء في إطار اتفاق شامل ثبت استمراره لفترة من الوقت، أو من خلال التفاهم مع شركاء دوليين آخرين، وبالتالي من المرجح أن تكون المهمة، على الأقل في مرحلتها الأولى، تحالفًا مؤقتًا غير دائم، على أن يتم تحديد الترتيبات القانونية والعملياتية بشكل مشترك بين الدول المشاركة، إلى جانب دول غير أوروبية على الأرجح.
وبشأن تحديات فاعلية المهمة الأوروبية، أضاف: “من الواضح أن أي مهمة من هذا النوع ستحتاج إلى التعامل مع مشهد إقليمي أوسع شديد الهشاشة، يتسم بدرجة عالية من عدم اليقين، وإضافة إلى ذلك، فإن الأوروبيين سيكون لديهم على الأرجح مستوى أقل من تقبل المخاطر، وسيميلون إلى سحب قواتهم بسرعة أكبر، كما أنهم قد لا يتمكنون من الاستمرار في العمل في المنطقة في حال وقوع أي نشاط قتالي مباشر”.
وأكد “كروسون” أن “الدول الأوروبية ترغب في تعزيز التزاماتها الأمنية، وزادت بالفعل من عمليات نقل المعدات العسكرية إلى الشرق الأوسط، وأظهرت رغبتها في التأثير على ملامح الترتيبات الأمنية المستقبلية في المنطقة”.
“تحالف الراغبين”
أما المدير السابق لشؤون مراقبة التسليح في حلف الناتو، ويليام ألبيركي، فكانت له رؤية مُغايرة بشأن مستقبل المهمة الأوروبية المنتظرة في مضيق هرمز.
وقال ألبيركي، في تصريحات لموقع “سكاي نيوز عربية”، إنه “يمكن للدول الأوروبية أن تعمل ضمن اتفاق بين “تحالف الراغبين”، أو عبر استخدام تخطيط حلف الناتو أو الاتحاد الأوروبي لتشكيل المهمة”.
وأشار إلى ضرورة استغلال إمكانات الناتو، إذ لدى لدى الحلف مجموعة دائمة لمكافحة الألغام البحرية تحت قيادة بولندية، ويمكنها تنفيذ المهمة فورًا، ويشمل ذلك قوة دائمة تحت قيادة دورية قادرة على الانتشار السريع لعمليات إزالة الألغام البحرية”.
وبالإضافة إلى ذلك، ذكر “ألبيركي” أنه يمكن للناتو إعلان عملية “اليقظة المعززة”، بما يشمل مجموعة مكافحة الألغام “SNMCMG” ومجموعة مرافقة للمساعدة في ضمان تأمين مرور ناقلات النفط بشكل آمن.
وأكد أن “المرور الحر عبر مضيق هرمز ليس حقًا مشروطا، بل هو حق غير مشروط، وما قامت به إيران يعد انتهاكا للقانون الدولي، وبالتالي تملك الدول الأوروبية والناتو الحق الكامل في تسيير دوريات بحرية في تلك المياه بسفن حربية، طالما أنها تبقى في المياه الدولية ولا تعيق حرية المرور، والحقيقة أن هدفها دعم حرية الملاحة يُعد إضافة إيجابية”.
وبشأن قواعد الاشتباك للقوات الأوروبية، أشار المدير السابق لشؤون مراقبة التسليح في الناتو، أن “قواعد الاشتباك ستتضمن استخدام القوة القاتلة إذا تم إطلاق النار عليها، أو إذا اعتقدت أنها على وشك أن تتعرض لإطلاق نار”، في حين تتمثل التحديات لهذه المهمة في توفر السفن، والمتطلبات اللوجستية اللازمة لدعم السفن الموجودة في الميدان، وإمكانية الوصول إلى الموانئ لأغراض التزود بالوقود، إضافة إلى استعداد دول بالمنطقة لتقديم الدعم والسماح بالوصول الكامل للسفن الأوروبية.
اختتم حديثه بالقول إن “الدول الأوروبية ستكون مستعدة للقيام بالكثير، لأن تدفق السلع عبر مضيق هرمز يمثل مسألة وجود اقتصادي بالنسبة للعديد من دول العالم”.

