كيف يمكن لأوروبا مواجهة هذا النمط من التغلغل؟
تقارير أمنية أوروبية تتحدث عن نمط مختلف من النشاط الإخواني يقوم على الاختراق الناعم الذي يستفيد من البيئة المفتوحة ويعمل تحت سقف القانون في محاولة لإعادة صياغة الحضور التنظيمي بشكل أقل صداما وأكثر مرونة في التكيف مع الواقع الأوروبي.
في هذا السياق تبرز دول مثل ألمانيا وإيطاليا كساحات رئيسية لهذا النشاط حيث يتم التركيز على إنتاج أجيال جديدة تتبنى الفكر الإخواني، عبر قنوات تعليمية ومجتمعية تتيح إعادة تدوير الخطاب وتثبيته داخل بنى مؤسساتية ممتدة.
التحول الأبرز بحسب التقرير يتمثل في قدرة التنظيم على العمل ضمن الأطر الديمقراطية مع الحفاظ على مشروعه الأيديولوجي بعيد المدى مستفيدا من القوانين التي تضمن حرية التنظيم والعمل المدني لتوسيع حضوره داخل المجتمع ومؤسساته بشكل تدريجي.
لكن كيف تتغلغل شبكات تنظيم الإخوان وتتخفى في أوروبا وسط تصاعد المخاوف الغربية؟
تعتمد شبكات الإخوان في أوروبا على العمل داخل الأطر القانونية والديمقراطية، ما يمنحها غطاءً يجنّبها المواجهة المباشرة، ويُسهم في ترسيخ حضورها بشكل تدريجي داخل المجتمعات الأوروبية. كما تركز على اختراق المؤسسات التعليمية والدينية والمجتمعية، لبناء تأثير طويل الأمد يمتد عبر الأجيال.
وفي مسار موازٍ، تعتمد هذه الشبكات على بناء منظومة مالية متكاملة، قائمة على التبرعات والاستثمارات العقارية والتجارية، بما يضمن لها استقلالية التمويل واستمراريته.
وتوظف العمل الخيري والمدني لتعزيز قبولها الاجتماعي، إلى جانب امتلاك مراكز وعقارات تُشكل قاعدة نفوذ ثابتة، فضلًا عن استخدام واجهات اقتصادية موثوقة لكسب ثقة المستثمرين وتوسيع نشاطها.
وفي هذا السياق، أوضح رئيس المركز الأوروبي للدراسات والباحث في الأمن الدولي جاسم محمد أن التنظيمات المتطرفة تعتمد في نشاطها داخل أوروبا على أساليب “ناعمة وغير مباشرة” تستفيد من هامش الحرية المتاح في عدد من الدول الأوروبية، مشيرا إلى أن هذا الهامش قد يستخدم لتوسيع نطاق الحضور والنشاط.
وأضاف جاسم محمد في حديث لبرنامج التاسعة على “سكاي نيوز عربية” أن التحذيرات الأمنية الأوروبية شهدت تطورا في مقاربتها، إذ لم تعد تقتصر على قضايا العنف والتطرف، بل اتسعت لتشمل أبعادا مرتبطة بالتمويل والتأثير المؤسسي والاجتماعي، مع نقل بعض هذه الملفات إلى مستويات أعلى من أجهزة الأمن القومي ومجالس الدفاع في عدد من الدول.
وأضاف أن التحذيرات الأمنية الأوروبية “اختلفت عن التحذيرات التقليدية” التي كانت تركز فقط على “العنف والتطرف والإرهاب والمواجهة المباشرة”.
وأشار إلى أن التحول الأبرز يتمثل في نقل ملف التهديدات إلى مستويات أعلى من وزارات الداخلية، حيث “تم طرح هذه التقارير والتحذيرات إلى مجالس الأمن القومي والدفاع في دول أوروبا أبرزها فرنسا”.
وفي سياق تحليل آليات التأثير، أوضح أن تنظيم الإخوان يعتمد على “التسلل والأسلوب الناعم غير المباشر في سبيل التغلغل في المؤسسات المحلية”، مضيفاً أن التحدي أمام الأجهزة الأمنية الأوروبية كان يتمثل في “إيجاد الشواهد والأدلة على وجود علاقة بين هذه المنظمات”.
وبيّن أن المقاربة الأوروبية أصبحت تركز على “الرصد والمراقبة المشددة” بدلاً من التصنيف الجماعي، مع محاولة تتبع الإمبراطورية المالية وآليات التأثير السياسي والاجتماعي.
وحذّر من أن التحدي الأبرز اليوم يتمثل في “غسيل الأموال والالتفاف على القوانين”، مؤكداً أن بعض الدول الأوروبية أدركت “قدرة هذه الجماعات على الوصول إلى الاستثمارات بشكل غير مباشر”.
وختم بالتحذير من تطور خطير يتمثل في وجود “ماكينة مالية تغذي وتحرك الفكر والأيديولوجيا”، مؤكداً أن ذلك “يمثل تهديدا خطيرا للأمن القومي الأوروبي”.

