يعد الفنان الإماراتي محمد كاظم أحد أبرز الأسماء التي شكلت علامة فارقة في المشهد الفني المعاصر، محولاً أعماله إلى مشاريع فكرية تتجاوز الرسم التقليدي لتشمل الفن المفاهيمي والتجهيز والوسائط المتعددة. وتبرز لوحته «المرسم 2» كنموذج استثنائي يوثق الاستوديو ليس كمجرد حيز مكاني، بل كفضاء ذهني ونفسي زاخر بالدلالات الوجودية.
تستعرض لوحة «المرسم 2» تفاصيل فوضى العمل الإبداعي، حيث تتناثر زجاجات الألوان وتصطف اللوحات بين ما هو مكتمل وما هو في طور التكوين. وعلى الرغم من أن هذا العمل ينتمي إلى مرحلة باكرة من مسيرة كاظم، إلا أنه يكشف بوضوح عن بوادر توجهه نحو الفلسفة المفاهيمية؛ إذ يظهر في اللوحة مقعد خالٍ يرمز لغياب الفنان الجسدي وحضوره الذهني الطاغي، متسائلاً من خلال تكويناته عن ماهية الفن والإبداع عبر العصور.
حوار مع التراث واللون
يلعب اللون الأحمر دوراً محورياً في هذا العمل، حيث يسيطر على المشهد ويخلق حواراً فنياً مع لوحة «المرسم الأحمر» للفرنسي هنري ماتيس التي رسمها عام 1911. إن هذا الاختيار اللوني ليس عشوائياً، بل هو محاولة لتجاوز المنظور التقليدي ودمج عناصر الاستوديو في فضاء روحي واحد، يجسد حرارة المخاض الإبداعي والعزلة التي يختلي فيها الفنان بأفكاره.
ورغم هيمنة الأحمر، إلا أن الفنان وظف ألواناً أخرى مثل الرمادي والأبيض لتمثيل الحياد، والأصفر والأزرق كإشارات بصرية خاطفة، مع استخدام الأسود لتحديد الظلال وإضفاء العمق الدرامي. وبذلك، تتحول اللوحة إلى “صرخة لونية” تحفز المتلقي على التفكير وتدعوه لاقتحام كواليس العملية الفنية، مؤكدة أن الاستوديو هو مختبر حقيقي تنبثق منه الرؤى الجمالية والفلسفية.
