تفرض موجات الحر المتلاحقة في بريطانيا واقعاً جديداً يضع ثقافة البلاد في التعامل مع أنظمة التبريد تحت المجهر، حيث تزايدت المطالب بتبني “ثورة في أجهزة التكييف” لمواجهة درجات الحرارة القياسية التي بدأت تحول الموقف البريطاني التقليدي الرافض للتبريد إلى ما يشبه “الماسوشية” أو إيذاء الذات، بحسب مراقبين.

جدل سياسي وتخطيطي

يرى ديفيد لورانس، من مركز “بريتيش بروجرس” (Centre for British Progress)، أن الاعتماد على الظلال والستائر فقط لم يعد كافياً، مشيراً إلى التناقض في توفير أنظمة التدفئة للمنازل شتاءً مع التردد في تبريدها صيفاً. وأكد لورانس أن غياب أجهزة التكييف عن المدارس والمستشفيات -التي تستقبل الملايين يومياً- يعد أمراً غريباً، لا سيما مع تأثير الحرارة السلبي على الصحة والقدرة على التعلم والتركيز.

وقد تحول هذا الملف إلى قضية سياسية بامتياز؛ ففي حين تتبع بعض مجالس لندن “هرمية التبريد” التي تعطي الأولوية للحلول منخفضة الطاقة وتصل إلى حد مطالبة أصحاب العقارات بإزالة أجهزة التكييف، يصف نواب حزب المحافظين هذه التوجهات بـ “الميول السوداوية”، مطالبين في الوقت ذاته بتبني استراتيجية تبريد شاملة.

عقبات التمويل والتشريعات

في مسعى حكومي خجول، أطلقت إنجلترا وويلز منذ شهر أبريل “برنامج ترقية الغلايات” (Boiler Upgrade Scheme)، الذي يقدم دعماً بقيمة 2500 جنيه إسترليني لمضخات الحرارة الهوائية القابلة للعكس، وهي أجهزة توفر التدفئة شتاءً والتبريد صيفاً. ورغم أنها عملياً أول دعم حكومي لأجهزة التكييف في بريطانيا، إلا أنها صُنفت كمضخات حرارية، وبلغت قيمة دعمها ثلث ما يُقدم للأنظمة المخصصة للتدفئة فقط (7500 جنيه إسترليني).

وقد أدى غياب الترويج لهذا البرنامج إلى إقبال ضعيف، إذ لم يتقدم بطلب للحصول عليه سوى 45 أسرة فقط خلال الشهر الأول، مقارنة بآلاف الطلبات لنماذج التدفئة التقليدية. وتتفاوت التسهيلات في مناطق المملكة المتحدة الأخرى؛ ففي اسكتلندا يوجد دعم بقيمة 7500 جنيه إسترليني لمضخات الحرارة، لكن دون أي تمويل للأنظمة التي توفر التبريد، بينما لا توجد منح شاملة من هذا النوع في أيرلندا الشمالية.

أزمة المساكن الاجتماعية

تفاقمت الأزمة بسبب استثناء المساكن الاجتماعية والمباني الجديدة من مظلة الدعم في إنجلترا وويلز، مما يحرم الفئات الأكثر تضرراً من الحماية. وتتجسد هذه المعاناة في منطقة “وولويتش” جنوب شرق لندن، حيث تشتكي إحدى القاطنات وتدعى “كيشا” من وصول حرارة شقتها في الطابق العلوي إلى 43 درجة مئوية.

وقد وصفت كيشا ظروف مبناها بأنها “غير إنسانية”، مما دفعها ونحو 20 من جيرانها في “كندا كورت” و”كليفتون لودج” إلى رفع دعوى قضائية ضد جمعية الإسكان المالكة للعقار (PA Housing)، بدعوى أن هذه الوحدات السكنية لم تعد صالحة للسكن في ظل المناخ الراهن.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version