يصدر عن المركز القومي للترجمة كتاب “في مواجهة الأدب العالمي.. تسييس ما لا يقبل الترجمة” للباحثة إميلي أبتر، وبترجمة غادة الحلواني ومراجعة بهاء الدين محمد مزيد، ليطرح رؤية نقدية مغايرة للمفاهيم السائدة حول الأدب العالمي، معتبراً أن الترجمة ساحة للصراع الثقافي والجيوسياسي بدلاً من كونها مجرد عملية نقل لغوي محايدة.
يقدم الكتاب أطروحة جريئة تعيد رسم خريطة الأدب المقارن، إذ يرى أن المحاولات المعاصرة لإحياء الأدب العالمي تقع في فخ “عدم قابلية الترجمة”، حيث يتم تجاهل الكلمات والمفاهيم العصية على النقل أو التي ترفض الانصياع لقواعد الإحلال. وتؤكد المؤلفة أن هذه “الكلمات المتمردة” التي يعاد ترجمتها باستمرار أو تُفهم بشكل خاطئ، هي مفتاح أساسي لفهم نقاط الضغط الجيوسياسية في العالم.
نقد المركزية و”آداب عالمية عدة”
تنتقد أبتر المفهوم التقليدي للأدب العالمي الذي تسيطر عليه اعتبارات تجارية وقراءات سطحية تركز على الاستحسان العالمي، متأثرة في ذلك بنماذج مثل كتاب “الجمهورية العالمية للأدب” لباسكال كازانوفا. وتجادل المؤلفة بأن هذه النماذج عززت “المركزية الأوروبية” واعتمدت على التمييز الصارم بين المركز والأطراف، مما جعل نتاج بعض الثقافات يبدو كأنه موجّه لنخبة ثقافية محددة بدلاً من كونه جزءاً من المشاعات الإنسانية.
في مقابل المفهوم المؤسساتي المهيمن، تقترح أبتر استبداله بمفهوم “آداب عالمية عدة”، بحيث تنبع الدراسات الأدبية من المفاهيم الفلسفية والسياقات الجيوسياسية الخاصة بكل ثقافة، بعيداً عن وهم “الشفافية” أو التكافؤ اللغوي الكامل الذي يغلف عمليات الترجمة التقليدية.
الترجمة كفعل سياسي
يتوقف الكتاب عند ظاهرة “إخفاق الترجمة” التي شغلت نقاداً ومفكرين مثل فالتر بنيامين، حيث تبرز اللغة ككيان يرفض التعاون مع المترجم في بعض المواضع، مستشهدة في ذلك بتحليلات عبد الفتاح كيليطو لصعوبة نقل عبارات معينة في اللغة العربية مثل “ليت شعري”.
وخلص الكتاب إلى أن الترجمة ليست مجرد عملية تقنية لنقل النصوص، بل هي عملية محفوفة بالتوترات السياسية والمعرفية؛ لذا يجب على الباحثين في الأدب المقارن استيعاب “ما لا يقبل الترجمة” ودمجه في الوظيفة الاستكشافية للأدب، بدلاً من محاولة إخضاعه لمعايير التداول العالمي التي تفرغ النصوص من خصوصيتها الثقافية.
