في خطوة أثارت جدلاً واسعاً في الأوساط السودانية، أعلن رئيس مجلس السيادة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، بمناسبة الذكرى الـ 72 لتأسيس القوات المسلحة، عن تبني مبادرة لما وصفها بـ “مجموعة وطنية مستقلة” تهدف لإطلاق حوار شامل. وبينما وعد البرهان بتوفير الدعم اللوجستي والضمانات الأمنية، تزامنت هذه الدعوة مع تأكيده على مواصلة العمليات العسكرية ضد قوات الدعم السريع، مما عزز المخاوف من أن المبادرة ليست سوى وسيلة لإعادة إنتاج سلطة العسكريين والإسلاميين تحت غطاء مدني.
مبادرة تحت رقابة العسكر
رغم تأكيد البرهان على عدم تدخل السلطة في إدارة الحوار أو اختيار أطرافه، إلا أن مراقبين يرون أن هذه الاستقلالية تفتقر للمصداقية؛ كون المبادرة تحظى برعاية وتمويل وحماية الجيش، وتجري في مناطق سيطرته. وعلاوة على ذلك، فقد وضع قائد الجيش مسبقاً حدوداً للتسوية السياسية، معلناً عن بدء العمل لاستكمال مؤسسات الحكم، بما في ذلك المجلس التشريعي، مما يفرغ الحوار من جوهره ويجعله عملية تجميلية للواقع العسكري الراهن.
حرية مشروطة وغموض الهوية
أثار الغموض الذي يكتنف هوية “المجموعة الوطنية” التي طرحت المبادرة تساؤلات حول معايير تشكيلها، حيث انتقد “التيار الثوري الديمقراطي” بقيادة ياسر عرمان، غياب الشفافية في تكوين اللجنة التحضيرية، معتبراً أن الحوار الذي يبارك من طرف واحد في الصراع لا يعدو كونه إقراراً لنتائج مسبقة الصنع. كما اعتبر سياسيون أن عرض “الحصانة الإجرائية المؤقتة” للمشاركين لا يشكل ضمانة فعلية، بل يضع حرية التعبير تحت رحمة السلطة العسكرية.
حوار أم “مونولوج” سياسي؟
وصف محمد الفكي سليمان، عضو مجلس السيادة السابق، هذه الدعوة بأنها “مونولوج” سياسي، نظراً لاستبعاد القوى المدنية الرئيسية المناهضة للحرب، واقتصار المشاركة على حلفاء الجيش الذين يسعون للحصول على مقاعد في السلطة. من جانبه، يرى خالد عمر يوسف، القيادي في تحالف “صمود”، أن المبادرة تمثل استراتيجية تهدف لإبعاد “المؤتمر الوطني” عن الواجهة بينما تدير الحركة الإسلامية المشهد من خلف الستار، مستحضراً سيناريو “حوار الوثبة” الذي انتهجه نظام عمر البشير في عام 2014 لتكريس نفوذه.
أزمة تفتقر لحلول جذرية
تكمن المفارقة في أن خطاب البرهان خلا من أي التزام واضح بوقف إطلاق النار، بل ربط السلام بـ “تطهير” البلاد من قوات الدعم السريع. ويحذر مراقبون من أن هذه المقاربة قد تدفع السودان نحو سيناريوهات مشابهة للصراعات الإقليمية الممتدة، حيث يتم استخدام الحوار كأداة لربح الوقت وتحسين الموقف الميداني، متجاهلاً جذور الأزمة المتمثلة في غياب الحكم المدني، وعسكرة الدولة، والإفلات من العقاب.
وفي الختام، يرى محللون أن المبادرة في صيغتها الحالية لن تحقق استقراراً حقيقياً؛ فهي لا تتضمن خطة لبناء جيش مهني واحد أو تفكيك بنية النظام السابق، بل تهدف إلى شرعنة الواقع العسكري القائم، مما يعني إطالة أمد الأزمة بدلاً من معالجتها بجدية من خلال عملية سياسية شاملة ومحايدة تعبر عن تطلعات السودانيين.
