كشف كتاب جديد للمؤرخ البريطاني نيكولاس رانكين، حمل عنوان «ونستون تشرشل والخداع البريطاني» وترجمه إلى العربية علي أمين علي، عن أسرار الحرب غير المرئية التي خاضتها بريطانيا خلال الحرب العالمية الثانية، مؤكداً أن النصر لم يكن ثمرة للقوة العسكرية المادية فحسب، بل نتيجة تفوق استراتيجي في مجالات التضليل الإعلامي، والاستخبارات، وفك الشفرات، وإدارة إدراك العدو.
صناعة «عقل الدولة الخادع»
يوضح الكتاب أن بريطانيا نجحت على مدى ثلاثة عقود في بناء ما أسماه المؤلف «عقل الدولة الخادع»، وهي ثقافة تنظيمية تراكمت خبراتها منذ الحرب العالمية الأولى، حيث مكنت هذه الأدوات لندن من تعويض تفوق خصومها في العدد والعتاد عبر المكر الاستراتيجي. وقد تطورت هذه المنهجية عبر مسارات متعددة، شملت التمويه العسكري، والعمليات النفسية للتلاعب بمعنويات العدو، بالإضافة إلى إنشاء أجهزة استخباراتية متخصصة أصبحت العمود الفقري للعمليات البريطانية.
الاستخبارات والحروب السيبرانية المبكرة
ركز رانكين في سرده على الدور المحوري للاستخبارات البريطانية، مشيراً إلى نجاح فريق من علماء الرياضيات في «بلتشلي بارك»، بقيادة آلان تورينغ، في كسر شفرة «إنجما» الألمانية، وهو ما منح البريطانيين قدرة فائقة على الاطلاع على خطط العدو آنياً. كما توسعت العمليات لتشمل إدارة «العملاء المزدوجين» وتوظيفهم في بث معلومات مضللة لبرلين، إلى جانب تحويل الإعلام إلى سلاح فتاك عبر محطات إذاعية وهمية وحملات نفسية منسقة أربكت القيادة الألمانية.
عمليات استراتيجية قلبت موازين المعارك
يستعرض الكتاب أبرز العمليات التي غيرت مجرى الحرب، وعلى رأسها «عملية فورتيتيود» التي سبقت إنزال نورماندي، حيث نجحت بريطانيا في إقناع الألمان بوجود جيش وهمي يقوده الجنرال باتون في جنوب شرق إنجلترا، مما دفع ألمانيا لتأخير تعزيزاتها العسكرية إلى حين وقوع الغزو الحقيقي. ويؤكد المؤلف أن هذه العمليات أثبتت قدرة بريطانيا على فرض «واقع بديل» على العدو، مما جعل القيادة الألمانية تتخذ قرارات كارثية بناءً على معلومات زائفة.
تغيير مفهوم الحرب الحديثة
يختتم الكتاب بطرح رؤية فكرية جديدة لمفهوم الصراعات في القرن العشرين، حيث لم تعد الحرب مجرد مواجهة بين جيوش، بل أصبحت ميداناً لإدارة المعرفة وتشكيل تصورات الخصم. ويرى رانكين أن الحرب العالمية الثانية كانت شبكة معقدة من التضليل، أثبتت أن القدرة على التحكم فيما يراه العدو وما يعتقده هي المفتاح الحقيقي للحسم، وأن المعلومات سلاح يسبق في تأثيره استخدام القوة التقليدية في الميدان.






